فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 431

أعمدة المدرسة المذكورة التي مثّل صورتها الأوضح جودت سعيد وتلامذته، تبيّن لنا فساد ما قالوا في فهمهم للقصص القرآني، وقبل ذلك فساد منهجهم في التّعامل مع الوحي، والمنهج الأصوليّ التّحليليّ للنّص، الذي أوصله إلى درجة الدّعوة إلى إلغاء قدسيّة النّص، وكذلك في فهمهم للسّنن القدريّة التي تتبجّح المدرسة أنّها رائدة هذا الباب وذلك أنّهم زعموا أنّهم أصحاب دعوة إلى الدّراسات السننيّة في المجتمع والنّفس، ولا أدري إلى أيّ درجة من الفهم الثّاقب وصلوا في تحليلهم لحركة الخميني، التي زعموا في أبحاثهم أنّ حركته ومنهجه في رمي الورود ضدّ الدّبّابات، وإلقاء الابتسامات ضدّ فوّهات البنادق هي التي ضمنت النّجاح لحركته ضدّ الشّاه وشرطته السّرّيّة"السّافاك"، وجيشه الذي كان يحضّر كخطّ أوّل ضدّ الغزو الرّوسيّ من قبل الإدارة الغربيّة! هل هذه النّتيجة التي خرجوا بها هي ممّا يستحقّ أن يدخل في باب البحث العلميّ؟ أو لنَقُل في مرتبة الكلام الذي يُستحقّ أن يحترم؟.

هل صحيح أنّ غاندي (أستاذ المدرسة الأوّل) بحركته السلميّة السلبيّة المزعومة هي التي ضمنت له النّجاح ضدّ الآلة الإنجليزيّة في الهند؟! فأوصلته إلى تحقيق أهدافه وذلك حين أصيب الجنديّ الإنجليزيّ بعقدة النّدم فألقى السّلاح جانبًا وترك الهند وشأنها؟! أصحيح أنّ هذه هي الدّراسات السننيّة الواعية التي تتعامل مع الحدث باحترام وتقدير؟!.

لا أدري والله أمام هذا الغثاء ما أقول؟ وأنا لست هنا بصدد دراسة حركة الخمينيّ لأنّي أعتقد وإلى الآن أنّ حركته في التّغيير كانت كجبل الثّلج الطّافي على الماء، إذ يمثّل الجانب المخفيّ منه أكثر بكثير من الجانب الطّافي، وحركة الخميني ولا شكّ أصابت الكثير من الرّؤوس المفكّرة، والقيادات الحركيّة بالصّدمة، إذ ظنّوها هي النّموذج الأصلح في التّغيير، فبعض الحركات خرجت بنتيجة اعتماد نظريّة حركة الجماهير، وأنّ الشّعوب هي الرقم الصّعب، وهي القادرة على خوض المعركة، وتحقيق النّتائج، ولو أردنا أن نردّ على هذه النّتيجة بصورة مقابلة لها تنقضها لرأينا أنّ تجربة الإنقاذ في الجزائر مثّلت الجانب السّلبيّ لهذه النّظريّة، وأنّ الجماهير كعدد لا تشكّل الرقم الصّعب في التّغيير، فلو قال قائل أنّ العمل النّخبويّ الطّليعيّ هو القادر على تحصيل النتائج لاحتجّ بآلاف التّجارب الانقلابيّة في العالم القديم والحديث، فليس بمثل هذه الأبعاد الفكريّة السّاذجة تناقش حركة التّغيير الانقلابية، لأنّ أعظم الباحثين والعاملين في هذه المسألة سيقول لك: إنّ أعظم النّاس إدراكًا لطبيعة عدوّه وحقيقته، ولطبيعة واقعه لن يستطيع أن يجزم بنتائج الحركة الثّوريّة الانقلابية، بل إنّ النّبيّ محمّد -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يدري ما يفعل به، ولولا الوحي الإلهيّ المبشّر بحصول الظّفر لما كان لبشر - أيّ بشر - أن يخبرنا جزمًا بنتيجة حركة التغيير وسبب ذلك أنّ حركة التغيير الثوريّ الانقلابيّ هي من أشقّ ما يقع في الوجود من تفاعلات، وعناصر هذا التفاعل تشمل عناصر الوجود بأكمله، ثمّ إنّ من عناصر هذا التّفاعل الإنسان، وهو ليس بعنصر جامد خالي الإرادة، فإلى أيّ درجة سيضمن القائد هذا الرقم المتغيّر، والجماهير على مدار التّاريخ ضعيفة الإدراك، يسيطر عليها عقليّة وغريزة القطيع، فبلمسة ذكيّة تصبح الهتافات في اتّجاه معاكس إذا فقد اللاعب بعض بريقه أو إذا دخل عامل جديد على هذا التّفاعل الواقع.

حركة الخميني حركة معقّدة، دخلت فيها الكثير من العناصر، المعلوم منها والمجهول، الأصيل فيها والدّخيل، فكيف لعقلي الصّغير، ولنفسيّتي التي تحلّل الأشياء تآمريًّا أن أقبل القول أنّ الخميني بإخلاصه - مع كفره - قبلت منه فرنسا أن يركب من مطاراتها وينطلق كمخلِّص لمجتمعه من نير العبوديّة للغرب، من غير أن يقدّم الخمينيّ شيئًا من إخلاصه لشعبه مقابل هذا الصّنيع الفرنسي، بل الدوليّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت