فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 431

فالمثل الأوّل لنوع المنافق الذي لم يُسلم أبدًا، ولم يدخل الإيمانُ قلبَه قطّ، بل بمجرّد قدوم الحقّ عليه أنكره وأعرض عنه، فهذا مستقرّ قلبه على الكُفر، لكنّه أسلمَ ظاهِرًا خوف السّيفِ أو رجاءَ الأصفر (الذّهب) .

والمثل الثّاني لنوع آخر من النّفاق، وهو النّفاق المتقلّب، تأتي على قلبه الواردات الإيمانيّةُ فيبصرها ويهتدي بها، فيسلم قلبه كما أسلم ظاهره، {كلّما أضاء لهم مشوا فيه} ولكنّه لا يقيم على الإيمان، فإذا أتت عليه وارداتُ الشّبه الباطلة، أو شهوات الهوى والنّفس، فإنّه يتنكّر لهذا النّور، فيُظلم قلبه {وإذا أظلم عليهم قاموا} ، فقلبُه متردّد بين الإيمان والكفر، لا يَقِرُّ له قرار، والله عليم بما يختم لهم، فإذا جاءه الموت وهو في حال نوره وإسلامه مات مسلمًا، وإن أتاه الموت حالَ كفره ونفاقه مات كافرًا منافقًا، وليس لنا إلاّ الحكم بالظّاهر وقرائن الحال الغالِبة، فالابتلاءات والمِحن تكشف النّوعين، والقسم الثّاني تكون له فتنةً وابتلاءً، فإمّا يزداد بها نورًا وإيمانًا، وإمّا ينتكس بها ويخلد إلى الكفر والنّفاق، وهذا سرّ قوله تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غرورًا} فهما قسمان: منافقون وفي قلوبهم مرض، وهذا كذلك سبب تعليق الحكم عليهم على المشيئة كما سيأتي في قوله تعالى: {ويعذّب الله المنافقين إن شاء أو يتوبُ عليهم} . وهذا الكشف ومعرفة الحقائق -أي حقائق النّاس- لم تُعرف إلاّ بالجهاد في سبيل الله تعالى.

{من المؤمنين رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلًا، ليجزي الله الصّادقين بصدقهم، ويعذّب المنافقين إن شاء أو يتوبَ عليهم إنّ الله كان غفورًا رحيمًا، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا، وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرّعب فريقًا تقتلون وتأسِرون فريقًا، وأورَثَكم أرضهم وديارَهم وأموالَهم وأرضًا لم تطأوها، وكان الله على كلّ شيءٍ قديرا} الأحزاب 23 - 27.

ثمّ انجلت المعركةُ وأسفرت نتائجها واضحة بيّنة، وهي غزوة من أشقّ الغزوات على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وفيها فقط قال -صلى الله عليه وسلم-: (( يا أيّها النّاس، لا تتمنّوا لقاء العدوّ، وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف ) ). ثمّ قال: (( اللهمّ منزل الكتاب، ومجري السّحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم ) )متّفق عليه. فهي المعركة الوحيدة التي طلب فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أصحابه عدم تمنّي لقاء العدوّ، وإلاّ فإنّ خروجَ الصّحابة -رضي الله عنه-م لملاقاة العدوّ أكثر من أن يحصى، بل إنّ بعدها (أي بعد الأحزاب) قال -صلى الله عليه وسلم-: (( الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم ) )البخاري. ولذلك لا يحتجّ بهذا الحديث على عدم جواز تمنّي لقاء العدوّ مطلقًا، إنّما هو ظرف خاصّ، في حالة شديدةٍ، كان اللقاء يكلّف الإبادة الشّاملة لكلّ الجماعة المؤمنة، ولكن إذا لقيتُموهم فاصبروا.

انجلت المعركة عن شهداء قضوا نحبهم، وأفضَوا إلى خالقهم، أحب الله لقاءهم فاتخذهم شهداء، واتخاذ الشهداء من مقاصد الجهاد كما ذكر الله ذلك في غزوة أحد {وتلك الأيّام نداوِلها بين النّاس وليعلَمَ اللهُ الذين آمنوا ويتّخذ مِنكم شهداء والله لا يحب الظّالمين} ، فالموت في سبيل الله من مقاصد حركةِ الجهاد، وقد روى البخاري أنّ هذه الآية نزلت في أنس بن النضر -رضي الله عنه-، كما قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-، وقد ذكر العلماء أنّه قد يكون للآية الواحدةِ عدّة مناسبات، وأنّها نزلت عدة مرات، فسياق الآية في الحديث عن الأحزاب، فلا يمتنع أن تنزل هذه الآية بعد أحد مرة، وفي الأحزاب مرةً أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت