فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 431

أميرنا شاءوا أم أبَوا، وسنحكمهم بالإسلام ومن رفع رأسه قطعناه، لأنّ التّمكين وصل إلينا بفضل الله وحده، فليس لنا أن نهتمّ إلا برضاه وحده، نفعل ما يأمُر وإن غضب النّاس، وننتهي عمّا نهى، وإلهنا هو إلهنا وحبيبنا، نصرنا وحده من ضعف، وآوانا من عُرِيّ، وأطعمنا من فقر، أخذنا سلاحنا من يد عدوِّنا، لم نعقد الصّفقات مع الشّرق والغرب مقابل تنازلات مبدئية، ولم نصل إلى التّمكين بقرار في بيت أبيض أو أسود، بل بعبوديّتنا لله وحده، وببراءتنا من كلّ طواغيت الأرض.

الأحزاب وانكسار شوكة قريش (تحول الصراع) :

عودة إلى غزوة الأحزاب: لقد كان لقريش مكانة خاصّة في الجزيرة العربيّة، وكانت العربُ ترقب نتيجةَ الصّراع بين النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- وقريش، وذلك كما روى البخاريّ عن عمرو ابن سلمة -رضي الله عنه- أنّه قال:"وكانت العرب تلوم (أي تتحيّن وتتربّص) بإسلامهم الفتح (أي فتح مكّة) ، فيقولون اتركوه وقومه فإن ظهر عليهم (أي انتصر) فهو نبيٌّ صادق"، بل إنّ بعض العرب جعل لإسلامه موعدًا، كما قال ذو الجوشن الضّبابيّ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدما دعاه إلى الإسلام، فوقّت ذو جوشن موعدًا لإسلامه وهو هزيمة قريش حيث قال:"إن تغلب على الكعبة وتقطنها" [انظر مجمع الزوائد 6/ 162] . وعلى هذا فلو رأينا معارك النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- مع قريش لرأيناه سجالًا وذلك كما وصفها أبو سفيان قبل إسلامه لهرقل:"يغلبنا يومًا ونغلبه يومًا"، وقبل الأحزاب كانت بدر الكبرى التي سمّاها الله تعالى {يوم الفرقان} ، بالرّغم من أنّها لم تكن حربًا عالميّةً، وليست تعدل بحجمها العسكريّ الغزوات الإسلاميّةَ الكبرى كاليرموك والقادسيّة وغيرهما، وهي كذلك معركة لم تقض على قريش قضاء مبرمًا، بل خرجت قريش بعدها بسنة لغزوة أحد، وتمّ لهم الغلبة العسكريّة في أحد، ولكن عظمة هذه الغزوة التي سمّاها الله فرقانًا وهي التي لم تحضّر لها قريش طويلًا، ولم يخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أجلها، بل تمّت من غير ميعاد، لأنّ بها قد وضع حجر الأساس للفتح الأكبر، فهي لبنة من لبنات بناء النّصر، وهكذا فكلّ معركة تلتها كانت تصبّ في خانة الفتح الأكبر"فتح مكّة"وكان فتح مكّة لبنة ومحطّة للخروج من الجزيرة، وهكذا .. ، وبعد بدر كانت أحد، وما تمّ فيها من استشهاد سبعين صحابيًّا، وخسران الجماعة المسلمة بعض قياداتها، وهكذا توالى السجال، بئر معونة وما حصل فيها من البلاء الشّديد في السّنة الرّابعة للهجرة، حيث قُتل نفر من خيرة المدرّسين والمعلّمين والفقهاء -رضي الله عنه-م، فالحرب تأخذُ وتُعطي، نصرٌ وابتلاء، حتّى وصلت الذَّرْوة في هذا السّجال إلى غزوة الأحزاب، حيث قرّرت قريش أن تضرب ضربتها النّهائيّة، وتُنهي سلسلة الصّراع لصالحها. ولو أردنا أن نوازن بين البلاء على قريش والبلاءِ على الصّحابة والمسلمين في مجموع الصّراع لظهر أنّ البلاء كان أشدّ وأعظمَ على المسلمين، إذ كانت قريش تتعامل مع محيطٍ في الجملة معها سوى بعضِ القبائل الكارهة لها كخزاعة، ولكنّ المدينة الطّيّبة محاصرة من اليهود ومن الأعراب ومن قريش، وفي الدّاخل من المنافقين، فالمعوّقات على الصّفّ المسلم وفي داخله كانت أشدّ وأعظم من وجوده في عسكر قريش.

هذا الصّراع بين قريش والنّبيّ -صلى الله عليه وسلم- كما قلنا كانت العرب ترقبه وتنتظر نتيجته، وقد كان النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- يحاول جاهدًا أن يحيّد قريش في صراعه مع الشّرك في الجزيرة العربيّة، لأنّها ليست بالكتلة الهيّنة، ولا المعادِلة له في الصّراع وظهر هذا في قوله كما روى البخاري: (( إنّ قريشًا نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مُدّة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهرُ فإن شاءوا أن يدخلوا في ما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا(أي استراحوا) وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذنّ الله أمره ))وهذا قاله عندما توجه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت