من تأصيل المسألة على أساس الفهم الجديد والأصل الصَّحيح، وهي قواعدُ وأسسُ ومنطلقاتُ جماعات الجهاد السلفية.
نعم هذا أمر لا يُخاف منه - وأعني لحوق أفراد عديدة من جماعات البدعة معك بالجهاد في وقت الفتنة والابتلاء - فإنّ هذه القواعد لا تلتحق بك لصعوبة هذه القنطرة، ولكن يُخاف حين يكون للجهاد الصَّوتُ العالي والمدُّ الشَّعبيّ الواسع، فإنّ مشايخ هذه التّنظيمات قد يسمحون لأفرادهم بالجهاد وقد يسكتون عنهم فحينئذٍ يكون هذا المحذور الذي نتكلَّمُ عنه فلا بدَّ مِن شرط التّمايز الذي تكلّمنا عنه، أمّا بقاء الارتباط التّنظيمي مع تلك الجماعات المسلَّكة سبل الباطل، أو الارتباط المشيخي مع مشايخ الإرجاء والتهوّك فإنّ ثبات هؤلاء إلى نهاية الطّريق أمرٌ في غاية الصّعوبة وصعب الوقوع، فإن وَقَعَ فإنّما يقع لأفراد قلائل ثمّ تعود الجموع إلى تنظيماتها السّابقة أو إلى مشايخها ليمارسوا عمليّة الجلد ويُقال لهم: ها قد جرّبتم، ... ها قد وَرَّطتمونا بحماسكم .. فماذا نفَعَكم؟! وحينها تصبح هذه الجموع أصواتًا وأبواقًا لأولئك المشايخ، وسيمارسون على الأمّة التّبجّح والتَّرفُّع والأستذة بأنّهم أصحاب تجربة .. فلا يجوز لأحدٍ أن يزايد عليهم.
تلاميذ السّلفيّة المزعومة الذين قدِموا إلى أفغانستان ... بماذا رجعوا؟! وماذا يقولون؟! هل انتفعوا بالجهاد - دع عنك الأجر الأخرويّ - هل أفهمهم شيئًا؟؟ هل غيّر من مستوى أفهامهم وعرّفهم سنّة الله في التّغيير والتّبديل؟؟. الجواب: لا وألف لا بل زادتهم انتكاسة، وظنّوا أنّهم ملكوا ناصية التّجربة فهم يتكلّمون من منطلق التّجربة التي خاضوها (روح الأستاذية الكاذبة) .
إذن فالذين يعتمدون على طريقة التّوريط أو دفع الآخرين بأيّ طريقة من الطّرق غير طريقة الاقتناع إلى عملٍ من الأعمال إنّما يبعدون في المذهب ويتعاملون مع القضيّة بغير الطّريقة السننيّة في إظهار العمل وإيجاده، لا بدّ من الاقتناع وهذا طريقه إلى الدّماغ وإلى الفكر عن طريق المجادلة بالحسنى وعرض الأدلّة وتكرار ذلك مع اعتماد عامل الزّمن حتّى يحصل قبولًا للفكرة والدّعوة، ولا بدّ من وجود الدّافع لتحقيق هذه القناعات وذلك عن طريق إيجاد المحرّضات الكافيةِ لإثارة النّفس البشريّة لتحقيق هذا العمل عن طريق الوعظ والتّذكرة وربط نفسيّة المرء بمحبّة تحقيق رضاء الله سبحانه وتعالى وتحصيل الدّار الآخرة، فإذا حصل الاطمئنان النّفسيّ لهذا العمل تحرّكت النّفس نحوه برغبةٍ صادقةٍ فلا يَرُدُّ عنانها عن ذلك إلاّ الذي فطرها، وهي بحاجة إلى التّذكير مرّة بعد مرّة - {وذكّر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين} - وذلك عن طريق استثارة القناعات بوضعها في جوّ التّأثير العاطفيّ والنّفسيّ. بهذا يحصل التّمايز عن الآخرين وبه فقط يتمُّ السّير نحو الهدف المطلوب وفي باب الجهاد هذه هي الطّريقة السننيّة لتحقيقه وليست المسألة مسألة عواطف شباب جيّاشة سرعان ما تنتكس تحت ظروفٍ جديدةٍ وأحداث متغيّرةٍ، فالقائلون بأنّ الجهاد تهوّر واندفاع وحماسة شباب لا خِبرةَ لهم في الحياة واهمون، نعم يكون كذلك حين يكون الجهاد دافعه الحماس الفِطريُّ غير المؤصَّل، وتمّت الاستجابة له دون الفهم له على الوجه المطلوب فإنّ هذه الحماسة سرعان ما تزول إمّا لوقوع البلاء أو تخلّف النَّصر أو كثرة المعوِّقات في طريق الجهاد.
هذه القناعات العقليّة والمبنيّة على أُسُسٍ علميّة واضحةٍ وعندها القدرة على كشف ودحض تلبيس الخصوم وأخطائهم مع نفسيّة محرّضة هي التي تصنع التّمايز في الشّخص المجاهد طول حياته وتؤمّن له عدم الانتكاس بالعودة إلى الجلاّدين من قادة تنظيمات بدعيّة أو مشيخات معوّقة.
إذن فالتّمايز شرطٌ لتحقيق الجهاد السنّي، ويقع التّمايز بتحقيق حقيقته المتقدّمة عن طريق التّنظيم المتميّز والذي يعلن افتراقه عن الآخرين واختلافه عنهم من جهة الشّعار المخالف فلا