فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 431

يلتبس لدى الأفراد تداخل الصّورتين بين هذا التّنظيم وبين غيره من التّنظيمات، وعن طريق تعميم الفهم لدى الأفراد كذلك بمخالفة الآخرين للشّرع والعقل ودخولهم في دائرة الرّأي والهوى أو البدعة الممقوتة، وهذا يتمُّ عن طريق كشف وتعرية طُرُق الآخرين من جهة أصوليّة عميقة فلا يكون الرّجل معك في التّنظيم وهو يرقب إشارات المشايخ وفتاويهم من خارج السّرب، فإنّ هذا النّوع من الشّباب خطيرٌ جِدًّا ومُذهِبٌ للقوّة والرّيح لدى أيّ تنظيم من التّنظيمات في أيّ ظرف من الظّروف.

إذا فهمنا هذا واستبان لنا حقيقة هذه المقالة بأنّ العمل الصّحيح لا بدّ أن ينشأ عن قناعةٍ علميّة وبمحرّضٍ نفسيٍّ صحيح (التّمايز) يتبيّن لنا عمق الخطأ في قول من يقول بإمكانيّة استخدام قواعد التّنظيمات البدعيّة مادّةً للجهاد في سبيل الله تعالى مع بقائهم في تنظيماتهم تحت دعوى سلامة فِطَرِهم واختلافهم عن قادتهم، أي التّفريق بين القواعد والشّيوخ، أو بين الشّباب الصّالح والقيادة الزمنى، وهذا يُظهر كذلك خطأ من يقول إنّ المشكلة في عدم الجهاد هي مشكلة القادة الزمنى والمشايخ الأئمّة وأمّا القواعد فهي صالحةٌ للجهاد وهذا خطأ كبير لأنّ القضيّة ليست قضيّة حماسٍ وعدمَ حماس، أو تأجّج عواطف وسكون أخرى، بل المشكلة الأولى والأخيرة في التركيبة العقليّة والعِلميّة في الفرد بغضِّ النّظر عن كونه قائدًا أو مَقُودًا، شابًّا أم كهلًا أم شيخًا، فتحليل عدم جهاد جماعةٍ مثل الإخوان المسلمين بسبب القادة مثلًا أو عدم جهاد السّلفيّة المزعومة بسبب مشايخهم وكذا أصحاب الصّوفيّة، خطأٌ محض فهؤلاء في هذا الجهاد - وأقصد جهاد المرتدّين - ليسوا مقتنعين به قناعةً علميّةً في أصل القضيّة، فإنْ حدث جهادٌ من بعضهم حينًا فإنّما هو من دافع توريط الصّغار للكبار، أو دفع التّيّار أي ما يسمّى بغريزة القطيع، وهؤلاء سُرعان ما يؤوبون إلى مواقعهم وتبدأ عمليّة الجلد المشيخيّ والتّنظيمي.

نعم يُمكن للأفراد والقواعد أن يخرجوا من أسر قادتهم ومشايخهم، لكن بعد أن يتمكّنوا علميًّا من اكتشاف تهافت البناء العلميّ عند مشايخهم وقادتهم فيخرجوا عليهم وعنهم وحينها يتميّز الشّخص ويُمكن إلحاقه بالتّنظيم المميّز، أمّا إن جاء من باب التوريط وتحت غثائيّة غريزة القطيع ودفْعِ التيّار فارقب في كلّ لحظة سكونٍ ثورته وعودته إلى قواعده سالمًا محضّرًا نفسه للوقوف أمام قائده وشيخه ليعترف له أنّه اكتشف صواب ما يقوله وخطأ أولئك (المتسرّعين والمتهوّرين) .

هذه نصيحة أسجّلها هنا، وهي أمانة أضعها في أعناق تنظيمات الجهاد السنّي السّلفيّ لئلاّ يكتشفوا بعد حين أنّ ما معهم مِن رجال إنّما هم شِبهُ المجاهدين (والشّبه هو صنم من نحاس تدخل فيه الرّيح فيصفر فيظنّ الجاهل أنّه شخص حقيقيّ) وليسوا مجاهدين حقيقة.

السّيرة النّبويّة ومسيرة التّاريخ الإسلامي حديقةٌ خصبة للدّراسة والاعتبار، وفيها من العظات ما تجعل المرء المسلم الذي ينشد التّغيير في غنى عن أن يكون منبهرًا بكلّ ما كتبه وخطّه الأغيار بتجاربهم وأحداثهم، وقد كان الأوائل من آباء هذه الأمّة حريصين كلّ الحرص على تلاوة السّيرة على مسامع الأبناء وتحفيظهم إيّاها وجَعْلِها جزءً من تركيبة الطّفل العقليّة والنّفسيّة لأنّ السّيرة النّبويّة تصنع العقليّة السّديدة في فهم سنن الحياة، فالتّاريخ هو جريان سنّة الله تعالى، والتّاريخ المتعلّق بالسّيرة النّبويّة فهي التّوافق الشّامل في مسيرة المرء في هذه الحياة من خلال عدمِ تجاوزه لشرع الله تعالى وأمره، فالقارئ والدّارس - المؤمن بهذا الدّين - للسّيرة النّبويّة لا يجِد أبدًا شيئًا من التّعارض في مسيرته إلى مقاصده سواء كانت هذه المقاصد حياتيَّه بحتة أم جزء من صراع مع الأغيار أو من أجل تحقيق بعض المصالح بين تمسّك المرء بشرع الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت