الواقعتين بينهما من الاختلاف ما لا يمكن حمل الواحدة على الأخرى، فالسلاطين الذين تكلم الأئمة الأوائل عنهم، وحذروا من الاقتراب منهم، هم أولا وقبل كل شيء مسلمون، خلطوا عملا صالحا وآخر غير ذلك، لكنهم كانوا على الدوام بيضة الإسلام وحماته، ودرعه الذي دفعت به عوائد الحياة ومحن الزمن، وطوارق الأعداء، وكانوا على الدوام خاضعين لأحكام الملة، وقواعد الشريعة، ولم يألوا جهدا في إصابة الحق وتحريه.
فأين حكامنا من هؤلاء؟!.
حكام هذا الزمن خرجوا من الإسلام من جميع أبوابه، فهم معرضون عن دين الله رادون لأحكامه مستهزئون بالدين وشرائعه وأهله، موالون لكل ملة سوى ملة الإسلام، فأي عمى هذا الذي أطبق على أعين الناس حتى جعلهم لا يكتشفون ردة حكامهم؟ فهل نستطيع أن نقول أن امتناع جمع من (السدنة) المنتسبين للعلم والفقه من تكفير هؤلاء الحكام بسبب شبه علمية؟.
إن الشبه العلمية التي يستحق أن تختلف حولها الأنظار والعقول، هي تلك الشبه الخفية الدقيقة، أما تلك التي يصطدم بها الأعشى، بل الأعمى لعظمها وكبرها، فلا تستحق أن تسمى شبها.
إن السبب الحقيقي لموقف هؤلاء (السدنة) في الحقيقة شهوات النفوس. إنها شهوة المال والمنصب، وخوف ذهاب الاسم من سلم الوظائف الحكومية. نعم إنها تنافس البلوغ لتحقيق الشهوات.
نستطيع أن نقول إن الطاغوت المعاصر قد استطاع بسط ألوهيته الباطلة على الأرض بعدة عمد وأركان، ومن هذه الأركان: صك الورق النقدي، ووثائق إثبات الشخصية ومنها وشقة السفر (جواز السفر) ، والشهادات الدراسية.
هذه أهم مقومات الطاغوت المعاصر وبها استطاع أن يفرض سلطانه على الناس ويربط مجرى الحياة به ومن خلاله، فهو يستطيع أن يمنع ويعطي، وبإرادة واحدة منه يجعل الورقة المهينة التي لا قيمة لها ولا وزن ورقة نقد تحنى لها الرقاب وتذل لها النفوس وتكتسب قدرة خارقة لتحصيل المال والطعام والمسكن والملبس ورغد الحياة، وبها يصبح ربا مزيفا، يمن على هذا ويمنع هذا.
ومثلها كذلك وثائق إثبات الشخصية فمن خلالها يستطيع أن ينفي الإنسان من الحياة، ويجعله له أثرا بعد عين لا وجود له، ومن خلالها يستطيع أن يثبت نسبك لتلك البلد أو يسلبها منك، وبها تستطيع أن تتنقل بين البلاد، ومثلها الشهادة المدرسية (ولشرح هذه الأركان مواطن أخرى) .
وفي سابقة غريبة لم تعهد في أمة من الأمم السابقة ربط الطاغوت المعاصر به حق اللقب العلمي، فهو يستطيع أن يجعل فلانا عالما، صيته يملأ الدنيا وعالم الناس، أو يغيبه في ظلمات الحياة، لا حس له ولا خبر، فأنت أخي المسلم لو سئلت عن أسماء علماء بلد ما فإنه سيتبادر إلى ذهنك فورا تلك الأسماء اللامعة ببريق تزيين إعلام الطاغوت لها، فهذا عالم من تلك البلد تعرفه أنت لأن الطاغوت أرادك أن تعرفه، فهو الذي جعله عضوا في هيئة كبار العلماء، وهو الذي أطلق عليه لقب مفتي البلد، وهو الذي جعله وزيرا للأوقاف، وهو الذي جعله قاضي القضاة، وهو الذي عينه إماما للمسلمين، وهو .. وهو .. إنه صناعة الطاغوت.
كان على الدوام شيخ الأزهر في مصر يتم انتخابه من قبل هيئة علماء تجتمع وتتداول فيما بينها عن أحق الناس بلقب شيخ الأزهر، ليوسد هذا المنصب العلمي إليه، أما الآن فشيخ الأزهر يعين من قبل الطاغوت، فبجرة قلم، وبنفخة طاغوتية غير مباركة يصبح المسخ الصغير شيخا للأزهر، تصدر عنه الفتاوى العلمية، والأبحاث الفقهية المميزة، ويتدافع ركب الجهل من الناس ليستقوا