من معين علمه الذي لا ينضب، وكل ذلك لم يقع إلا لأن الطاغوت سلّك له طريق اللقب العلمي. ولأن الطاغوت لن يقبل من أتباعه إلا الخضوع والإذعان، والتأليه له، ولن يدخل في حاشيته إلا كل ساحر يزين له ملكه، ويدفع عنه عاديات الزمن، (وهذا شرط صحة لا تنازل عنه) فإن اللقب العلمي سيكون قاصرا على من تتحقق فيه هذه الشروط.
فصار الناس لا يرون عالما إلا وهو سائر في ركب الطاغوت، ورجل من رجالاته، وسقطت من أعين الشباب المسلم قيمة العلم والعلماء، فصار جل هم الشباب شتم العلماء والتنفير منهم. والحق أن هؤلاء - كل من دخل في ركب الطاغوت - لا يستحق أن ينسب إلى العلم، وأهل العلم على الحقيقة هم من قاموا بحق العلم عليهم، وتبرءوا من الآلهة الباطلة، وعضوا على الحق وإن كان مرا. وهؤلاء - للأسف الشديد - لا يعرفون إلا من قبل من فتش عنهم، وبحث عنهم أشد البحث، وهم كثر بفضل الله تعالى، ولكن الطاغوت المعاصر سترهم عن أعين الناس، وغيبهم عن لقب العلم واسمه، فالواجب على الشباب المسلم، أن يقتصر في طلبه للعلم، وفي سؤاله عن أمور دينه على هؤلاء العلماء الصادقين، المغيبين عن حياة البشر.
لقد جعل كل طاغوت حوله مجموعة من السدنة الفقهاء، يستخدمهم في تمرير كفره، وتزيين حكمه، ويستغرب المرء حين يرى أن الجمع هو الجمع، والسدنة هم السدنة.
وهكذا فإن كل طاغوت له حاشية وسدنة، من المنتسبين إلى العلم يتخذهم كما يتخذ أحذيته، ويجمعهم في مؤتمر سنوي، حيث يقدم لهم، بعض الاحترام والتقدير، ويبارك جمعهم الخبيث بخطبة عصماء، يزينها ببعض الآيات والأحاديث، وبشيء من التعالم الغث يشرح لعلمائنا الأفاضل بعض أصول الدعوة الإسلامية، وطرق نشر الإسلام وتحسينه للناس، فيحضهم على الحكمة في الدعوة إلى الله ويرغبهم في مسايرة ركب الحضارة، ويشرح لهم ما فتح الشيطان عليه، وهم خشب مسندة، يبتسمون كالبلهاء ويهزون رؤوسهم، ويطلقون بين الفينة والأخرى عبارات الإعجاب، أو يشتد بهم الوجد فيصفقون طربا وتيها، وكأنهم أمام الخليفة الراشد أو مهدي آخر الزمان.
ولكن الطاغوت لا ينسى أن يشير بعصى التهديد كما أشار من قبل، بجزرة الترغيب، لأن هذا من أصول تربية القرود.
اقرأ هذا النموذج:"إن مما يشغل بالنا وبال كل مسلم غيور على إسلامه، حريص على صفائه وإيمانه، هو ما بدأ ينتشر في بعض الأوساط من انحراف عن مبادئ ديننا الحنيف، منحرفين بذلك عن الطريق القويم الذي لاعوج فيه ... وإن إدراكنا العميق ووعينا الكامل بخطر الغزو الفكري الهادف إلى المس بقيمنا الروحية، وكياننا الأخلاقي القائم على مبادئ الإسلام، وتعاليمه الرشيدة، ليزيد من شعورنا بعبء المسئولية الملقاة على عاتقنا كأمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، في هذا البلد الأمين".ا. هـ. هذا جزء من رسالة الحسن الثاني إلى المؤتمر السابع لرابطة علماء المغرب.
وفي خطاب له. بمناسبة تأسيس المجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية الإقليمية يحذرهم من التدخل في السياسة قائلا:"ليست دروسا للسياسة، حينما أقول السياسة، أقول السياسة اليومية ... إياكم والدخول فيما لا يعنيكم، فيما إذا ارتفع سعر الوقود أو سعر الدخان"ا. هـ.
وفي خطاب آخر له أمام جمع السدنة:"لا نغلق أندية، ولا نغلق مسابح، ولا نرجع إلى الوراء أبدا، أنا أتكلم فيما يخص العبادات، المعاملات، والسيرات لا تهمكم، لا تهمكم السيرة في الأزقة، والعربدة في الطريق، وغير الحشمة في الطريق".ا. هـ.