فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 431

هذا الكلام يقال أمام السدنة، فلا يوجد قائم لله بحجة يثبت للشباب أن فيهم من يستحق أن يسمى"عالما". وإذا تكلمنا عنهم قالوا عنا:"هؤلاء قوم لا يحترمون العلماء، أو شباب متهور". نعم نحن لا نحترم السدنة، بل نتقرب إلى الله بكشفهم.

روى الإمام أحمد بسند حسن عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه". فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتقدير العلماء واحترامهم، وعدم منعهم حقهم من التوقير، والستر ودفع الأذى عنهم، وكان علماء المسلمين على الدوام حماة الدين، وحفظة نصوصه ومفاهيمه، دفع الله بهم المحاولات المتكررة لتزوير معالمه، وطمس هديه، وهؤلاء العلماء لم يدخروا وسعا في القيام بحق الله عليهم، وحق العلم كذلك، وحتى لا نبتعد كثيرا في إصدار العمومات التي ما عادت تشفي غليلا، ولا تطب عليلا، فإنا سنسير معك أخي في الله في اكتشاف معالم الهدى الحقة، وصفات العلم والعالم في كلام الله تعالى وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي كلام السلف الصالح، لأن أدعياء العلم قد كثروا، وتغيرت موازين الناس في الحكم والقضاء، وصار إطلاق لفظ العالم ألعوبة لا ضابط له، وكذلك سلب صفة العالم من أهله ومستحقيه، وقبل أن نبين صفة أهل العلم والعلماء فإنا سنمر على مزالق أهل الجهل وموازينهم في هذا الباب، وهي مزالق قلما خلا منها فئة من الناس إلا من رحم الله تعالى، فمن أشهر هذه الموازين الخاطئة في تقييم الناس والحكم عليهم بالعلم والفقه:

أولا: إن مما طم وعم أن أغلب الناس - إلا من رحم الله تعالى - لم يعد يميز بين الخطيب المفوه، صاحب الصوت الجهوري، وبين العالم، ولأن الناس على الأغلب لا يترددون إلى مساجدنا إلا يوم الجمعة، وأيام الدعوة إلى الندوات التي تسمى بالندوات الفكرية، ولأنهم كذلك ما عادت تشغلهم أحكام الدين وشرائعه بمقدار انشغالهم بسماع التحليلات السياسية، أو الأخبار والحكايات، وصار فرحهم يشتد، وغبطتهم تظهر بمقدار ما يرون ويسمعون من صوت عال، أو شتم لفلان وعلان، وهذا جر على الناس خراب أمزجتهم ورداءة أحكامهم على الأشياء والأفعال، فأعرض الناس عن الدراسات الهادئة، والأبحاث العلمية، والتقريرات الشرعية، وأقبلوا على هؤلاء القوم الذين يتقنون فن الصخب الهادر، والأصوات المرتفعة، وأعرضوا عمن يحملهم على العمل ويحضهم على الشريعة، وييبن أحكام الدين والفقه.

وعلى هذا صار أهل المنابر قسمان:

1 -أصحاب الطحن بلا طحين، والكلام الكثير بلا علم ولا فقه، بل هو بدل أن يدفع الناس إلى الكتاب والسنة، وبدل أن يزين خطبته بالعلم الحق - الكتاب والسنة - صار جريدة جديدة تسمى (جريدة المنبر) ، فقبل أن يصعد المنبر يختار هذا الخطيب لنفسه خبرا صحفيا ويعلق عليه، وتروج تجارته، وتنفق بضاعته حين تنزل بالمسلمين نازلة، أو يكتشف مؤامرة وهمية سربت إليه، فحينئذ هذا أسبوع الفرح لأنه وجد لنفسه مادة دسمة لخطبته، وبها يستطيع أن يشد الآذان إليه، ومنها ينطلق إلى عالم النجومية والشهرة، هؤلاء على الجملة من أكثر الناس حذرا في إطلاق الأحكام الشرعية المحددة، بل كلامهم دائما في العمومات، التي لا يستطيع الناس بها أن يلزموهم بموقف يؤخذ عليهم، فهؤلاء القوم هم أهل العلم عند بعضهم.

2 -لما رأى بعض طلبة العلم فساد أمزجة الناس بسبب القسم الأول من الخطباء، ثم إعراض الناس عن الفقه والعلم، ورأوا أن الحديث في المنابر صار على صورة جريدة أسبوعية، هالهم هذا الأمر ودفعهم إلى موقف مضاد، ومختلف مع الأول في كل شيء، هذا الموقف هو: عدم الكلام إلا فيما يخص الفرد المسلم، أي: فيما يجهل من أحكام الدين والفقه العامة، فهو يأبى أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت