الراية أولا:
الراية هي الغاية والحديث النبوي الشريف يجعلهما شيئا واحدا: ففي مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيسيرون إليكم على ثمانين غاية. قلت: وما الغاية؟. قال: الراية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا، وفسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها دمشق ) ). وفي رواية له من حديث أبي الدرداء بلفظ: فيسيرون بثمانين بندا. وعنده وعند غيره بلفظ: فيأتونكم تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا، وهو عند البخاري من حديث عوف بن مالك بلفظ: فيأتونكم تحت ثمانين غاية، كل غاية اثنا عشر ألفا.
قال ابن حجر في"فتح الباري" (2/ 3176) : غاية أي راية، وسميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف.
فانظر (حفظك الله من كل شر وسوء) إلى مقاصد القتال وأنه مربوط بالراية التي تقاتل تحتها، وكيف أن الراية تحدد المقصد لأن السائر تحتها سيقف حيث وقفت، ويمتثل أمر ورودها وصدورها لا يتعداها ولا يخالفها في أمر من الأمور، ومن هنا فإننا نستطيع أن نحكم على الراية بمعرفة الغاية، وكذلك نعرف الغاية بمعرفتنا للراية، لأن الراية الظاهرة هي مظهر المقصد الخفي، والغاية المعلنة باللفظ والتصريح هي التي تحدد لنا الراية التي يقاتل المرء تحتها.
ومعلوم أن الجهاد في سبيل الله قد يكون لمقصد واحد من مقاصد الشريعة، وقد يكون مطلقا لنشر الإسلام وتحكيم الشريعة، فقد يجاهد المرء مدافعا عن عرضه، وقد يجاهد مدافعا عن ماله، أو عن نفسه، أو لفك أسير مسلم أو ذمي (على قول بعض أهل العلم) وكل ذلك داخل تحت المقاصد الشرعية الصحيحة التي تدخل هذا الفعل في مسمى الجهاد في سبيل الله تعالى.
أما القتال تحت الرايات الكافرة أو البدعية بدعة مكفرة، أو في وقت الهرج الذي لا يدري المرء على ماذا يقاتل، أو لأي شيء يقتل فهذا لا يدخل في باب الجهاد في سبيل الله تعالى، قال -صلى الله عليه وسلم-: (( من قتل تحت راية عمية، يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية، فقتلته جاهلية ) ). (1) أي إن مات تحت هذه الراية فقد مات جاهليا، والعمية من العمى وهي الغواية والضلال كالقتال في العصبية والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضم العين"عمية"، وسئل أحمد بن حنبل - رحمه الله - عمن قتل في عمية؟. قال: الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه. قال أبو إسحاق: إنما معنى هذا في تحارب القوم وقتل بعضهم بعضا. يقول: من قتل فيها كان هالكا. قال أبو زيد: العمية: الدعوة العمياء فقتيلها في النار. وقيل: العمية: الفتنة، وقيل الضلالة. (2)
فالراية العمية إذا على معنيين:
المعنى الأول: الراية التي لا وضوح فيها فهي غير بينة ولا واضحة، وإنما انساق المرء فيها كالدابة لا يدري فيما يتقاتل الناس عليه، ولا على أي شأن يتقاتلون، ولذلك هي راية لم يستبن المرء أمرها، ولم يتحقق من أهدافها.
المعنى الثاني: الراية البينة الضلالة، التي لا تقاتل على الإسلام ولكنها تنتصر لمعاني الجاهلية، كالتعصب للقبلية أو العصبة أو الوجهة دون هدي من كتاب أو سنة، ويلتحق بهذه الراية الرايات البدعية لأنها رايات غواية وضلال ليس عليها نور الهدي النبوي، ولا الحق مسفر بوجهه علينا.
فمن قتل تحت هاتين الرايتين فهو على سبيل هلكة وفي النار، والحديث إنما هو تحذير للمسلمين أن لا يقاتلوا إلا من أجل إسلامهم ودينهم، وأن لا يفرطوا بأرواحهم في سبيل الهوى والشهوة والحزبية والعشائرية والقطرية، وليس في الحديث بيان حال من قاتل تحت راية كفرية شركية