فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 431

ولقد كان الله - سبحانه - قادرا على أن يمنح النصر لنبيه ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة الأولى، وبلا كد من المؤمنين ولا عناء. وكان قادرا أن ينزل الملائكة تقاتل معهم - أو بدونهم - وتدمر على المشركين، كما دمرت على عاد وثمود وقوم لوط. .

ولكن المسألة ليست هي النصر. . إنما هي تربية الجماعة المسلمة، التي تعد لتتسلم قيادة البشرية. . البشرية بكل ضعفها ونقصها؛ وبكل شهواتها ونزواتها؛ وبكل جاهليتها وانحرافها. . وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعدادا عاليا من القادة. وأول ما تقتضيه صلابة في الخلق، وثبات على الحق، وصبر على المعاناة، ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس البشرية، وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف، ووسائل العلاج. . ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدة. وصبر على الشدة بعد الرخاء. وطعمها يومئذ لاذع مرير!. .

وهذه التربية هي التي يأخذ الله بها الجماعة المسلمة حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة، ليعدها بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق، الذي ينوطه بها في هذه الأرض. وقد شاء - سبحانه - أن يجعل هذا الدور من نصيب"الإنسان"الذي استخلفه في هذا الملك العريض!

وقدر الله في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه، بشتى الأسباب والوسائل، وشتى الملابسات والوقائع. . يمضي أحيانا عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة، فتستبشر، وترتفع ثقتها بنفسها - في ظل العون الإلهي - وتجرب لذة النصر، وتصبر على نشوته، وتجرب مقدرتها على مغالبة البطر والزهو والخيلاء، وعلى التزام التواضع والشكر لله. . ويمضي أحيانا عن طريق الهزيمة والكرب والشدة. فتلجأ إلى الله، وتعرف حقيقة قوتها الذاتية، وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج الله. وتجرب مرارة الهزيمة؛ وتستعلي مع ذلك على الباطل، بما عندها من الحق المجرد؛ وتعرف مواضع نقصها وضعفها، ومداخل شهواتها، ومزالق أقدامها؛ فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة. . وتخرج من النصر ومن الهزيمة بالزاد والرصيد. . ويمضي قدر الله وفق سنته لا يتخلف ولا يحيد. .

وقد كان هذا كله طرفا من رصيد معركة أحد؛ الذي يحشده السياق القرآني للجماعة المسملة - على نحو ما نرى في هذه الآيات - وهو رصيد مدخر لكل جماعة مسلمة ولكل جيل من أجيال المسلمين.

ثم يمضي السياق في تقرير حقائق التصور الإسلامي الكبيرة؛ وفي تربية الجماعة المسلمة بهذه الحقائق؛ متخذا من أحداث المعركة محورا لتقرير تلك الحقائق؛ ووسيلة لتربية الجماعة المسلمة بها على طريقة المنهج القرآني الفريد:

(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا؛ وسيجزي الله الشاكرين. وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا؛ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها؛ وسنجزي الشاكرين. وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين) . .

إن الآية الأولى في هذه الفقرة تشير إلى واقعة معينة، حدثت في غزوة أحد. ذلك حين انكشف ظهر المسلمين بعد أن ترك الرماة أماكنهم من الجبل، فركبه المشركون، وأوقعوا بالمسلمين، وكسرت رباعية الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشج وجهه، ونزفت جراحه؛ وحين اختلطت الأمور، وتفرق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت