المسلمون، لا يدري أحدهم مكان الآخر. . حينئذ نادى مناد: إن محمدا قد قتل. . وكان لهذه الصيحة وقعها الشديد على المسلمين. فانقلب الكثيرون منهم عائدين إلى المدينة، مصعدين في الجبل منهزمين، تاركين المعركة يائسين. . لولا أن ثبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تلك القلة من الرجال؛ وجعل ينادي المسلمين وهم منقلبون، حتى فاءوا إليه، وثبت الله قلوبهم، وأنزل عليهم النعاس امنة منه وطمأنينة. . كما سيجيء. .
فهذه الحادثة التي أذهلتهم هذا الذهول، يتخذها القرآن هنا مادة للتوجيه، ومناسبة لتقرير حقائق التصور الإسلامي؛ ويجعلها محورا لإشارات موحية في حقيقة الموت وحقيقة الحياة، وفي تاريخ الإيمان ومواكب المؤمنين:
(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا. وسيجزي الله الشاكرين) . .
إن محمدا ليس إلا رسولا. سبقته الرسل. وقد مات الرسل. ومحمد سيموت كما مات الرسل قبله. . هذه حقيقة أولية بسيطة. فما بالكم غفلتم عنها حينما واجهتكم في المعركة ?
إن محمدا رسول من عند الله، جاء ليبلغ كلمة الله. والله باق لا يموت، وكلمته باقية لا تموت. . وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل. . وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول. وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة!
إن البشر إلى فناء، والعقيدة إلى بقاء، ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه إلى الناس، من الرسل والدعاة على مدار التاريخ. . والمسلم الذي يحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيرا. الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة. وقد رأينا أبا دجانة يترس عليه بظهره والنبل يقع فيه ولا يتحرك! ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه ويستشهدون واحدا إثر واحد. . وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم، وبكل مشاعرهم، حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره -صلى الله عليه وسلم-. . هذا المسلم الذي يحب محمدا ذلك الحب، مطلوب منه أن يفرق بين شخص محمد -صلى الله عليه وسلم- والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده، باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت.
إن الدعوة أقدم من الداعية:
(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) . .
قد خلت من قبله الرسل يحملون هذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن، العميقة في منابت التاريخ، المبتدئة مع البشرية، تحدو لها بالهدى والسلام من مطالع الطريق.
وهي أكبر من الداعية، وأبقى من الداعية. فدعاتها يجيئون ويذهبون، وتبقى هي على الأجيال والقرون، ويبقى اتباعها موصولين بمصدرها الأول، الذي أرسل بها الرسل، وهو باق - سبحانه - يتوجه إليه المؤمنون. . وما يجوز أن ينقلب أحد منهم على عقبيه، ويرتد عن هدى الله. والله حي لا يموت:
ومن ثم هذا الاستنكار، وهذا التهديد، وهذا البيان المنير:
(أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ? ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا. وسيجزي الله الشاكرين) . .