كل الأمم والشعوب الضالة .. على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم .. وأديانهم .. ومسمياتهم .. يشتركون في خصلة واحدة، وتوحدهم خصلة واحدة؛ ألا وهي عبادة المخلوق من دون الله - عز وجل - .. وصرف الطاعة والتأله لهذا المخلوق من دون الله تعالى .. وإن اختلفوا فيما بينهم على صورة وشكل واسم هذا المخلوق!
فهم وإن كانوا فرقًا وشيعًا شتى .. متنازعة ومختلفة فيما بينها .. إلا أنهم عندما تكون المعركة بين أهل الحق من أتباع الأنبياء والرسل .. وبين أهل الباطل من عبدة الأوثان والطواغيت .. تراهم جميعًا صفًا واحدًا ضد الحق وأهله؛ لاشتراكهم جميعًا في خصلة واحدة؛ وهي عبادة المخلوق من دون الخالق .. بغض النظر عن صفة وشكل هذا المخلوق .. كما قال تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} المائدة:51.
فالذي يوحدهم على الحق وأهله الشرك بالله - عز وجل - .. وعبادة الطاغوت!
الله تعالى يقول لعباده أنا المعبود المطاع .. لأنني أنا الخالق المالك .. وحقي عليكم أن تعبدوني لا تُشركوا بي شيئًا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذريات:56. وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} البينة:5.
فيأتي الطاغوت المخلوق المملوك الضعيف الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ـ على اختلاف صوره ومسمياته ـ فيقول: لا .. بل أنا المعبود المطاع من دون الله .. ما علمت لكم من إله ومشرع ترجعون إليه في جميع شؤون حياتكم غيري .. ويجيش من أجل ذلك الجند والجيوش وكل من يدخل في حلفه وطاعته من دون الله!
ومن خصائص الله تعالى وصفاته أنه غيور .. يغار على حرماته وعلى حقه على عباده .. فلا أحد أغير منه - سبحانه وتعالى - على الحرمات وعلى العباد، كما في الحديث الصحيح:"لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل".
كما أنه - سبحانه وتعالى - يبغض الظلم ويحرمه .. ولاشيء يُغضبه ويُسخطه كظلم الشرك .. وظلم الطواغيت التي تستشرف خصائص الإلهية وتُعبد من دون الله؛ لأنه ظلم عظيم لحق الله تعالى على عباده .. ولآدمية الإنسان معًا: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان:13. وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} النساء:48.
أي ظلمٍ يعلو ظلم الطاغوت الذي يجعل من نفسه ندًا لله - عز وجل - .. ويُعلن على الملأ وبكل وقاحة أنه الإله المعبود .. وأنه الحكَم والمطاع لذاته .. الذي له حق التشريع والحظر والإباحة والحكم على الأشياء من دون الله .. وما على الناس إلا أن يدخلوا في طاعته وعبادته وحزبه من دون الله - عز وجل - .. ؟!
أي ظلم يعلو ظلم العبد وهو يقول لربه وخالقه ومالكه والمتفضل عليه بالنعم التي لا تُحصى: أنت لست معبودي .. ولا حق لك علي .. وإنما معبودي الذي له كامل الحق علي ذلك الطاغوت من البشر أو الحجر أو البقر .. !!
أي ظلم يعلو ظلم العبد وهو يقول لخالقه ـ رغم الآيات الباهرات الدالة عليه - سبحانه وتعالى - والتي لا تُحصى ـ: لا حجة لك علي .. وإنما الحجة الكاملة للطاغوت .. !!