فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 431

إن مقتضيات أسماء الله الحسنى وصفاته العليا لا تقبل هذا الظلم والزور .. والجحود .. لأجل ذلك شرع الله تعالى الجهاد ... !

أمر عباده الموحدين الذين استجابوا لدعوة الأنبياء والرسل .. بأن يُجاهدوا المشركين الذين ضلوا عن عبادته وتوحيده وعبدوا الطاغوت من دونه .. ليأطروهم إلى الحقّ أطرًا .. وليخرجوهم من ظلم الشرك وظلماته إلى عدل التوحيد ونوره .. ولهم مقابل ذلك رضوانه تعالى والجنة .. أنعم به من ثمن!

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة:111.

أمر عباده الموحدين بأن يقصدوا المشركين .. ليخرجوهم ـ ولو بالسلاسل ـ من حظيرة الشرك والضياع .. ليأتوا بهم إلى حظيرة العبودية والتوحيد .. والخضوع .. ومن السبيل الذي ينتهي بهم إلى النار وجحيمها إلى السبيل الذي ينتهي بهم إلى الجنة ونعيمها .. ولو استدعى الأمر إلى الجهاد والقتال .. فإن الفتنة أشد من القتل والقتال.

قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} الأنبياء:18. فمن الحقّ الذي يقذف الله تعالى به الباطل وأهله جندَ التوحيد وأهله.

وفي الحديث فقد صح عن النبي - -صلى الله عليه وسلم- - أنه قال:"عجبت لأقوامٍ يُساقون إلى الجنة في السلاسل وهم كارهون". وفي رواية:"عجب ربنا - عز وجل - من قومٍ يُقادون إلى الجنة في السلاسل".

هذا المعنى هو الذي أراده الصحابي الجليل ربعي بن عامر عندما أجاب ملك بلاد فارس لما سأله عن العلة التي حملتهم على الجهاد والقتال .. وغزو فارس في عقر دارهم، فقال له: لقد ابتعثنا الله تعالى لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. !

لا توجد لنا غاية أخرى حملتنا على غزو بلادكم سوى هذه الغاية .. ولا يوجد سبب آخر حملنا على غزو بلادكم سوى ما أنتم عليه من ظلم الشرك .. وعبودية العبيد للعبيد .. وهذا هو المعنى الحقيقي للجهاد في سبيل الله الذي أمرنا الله تعالى به.

لا حظوظ فيه للنفس .. ولا أطماع ولا مآرب أخرى .. سوى إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. فإن تحقق ذلك .. تحقق السلم والأمان .. وتصافت النفوس وتآخت وتحابت في الله مهما كان بينها قبل ذلك من جراحات ودماء وثارات!

كما قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} التوبة:11. فتنقلب العداوة مباشرة ـ إن تابوا وأقاموا الصلاة ـ إلى أخوة متحابين في الله والدين.

وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} الممتحنة:4. فهذه العداوة مستمرة أبدًا ـ عبر الأزمان كلها وإلى أن تقوم الساعة ـ بين أتباع الأنبياء والرسل وبين الطواغيت وأتباعهم .. إلى أن يعبدوا الله تعالى وحده .. فإن آمنوا وعبدوا الله تعالى وحده وتبرؤوا مما هم فيه من الشرك .. ذهبت العداوة والبغضاء وحلت محلهما المحبة والإخاء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت