فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31894 من 36878

ودًّا *) (1) يرى أنه ليس كما يتأولون، وإنما أراد أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبة، فأنت ترى المخلص المجتهد محببا الى البر والفاجر، مهيبا، مذكورا بالجميل، ونحوه قول الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام: (وألقيت عليك محبّة مّنّي) (2) ، لم يرد في هذا الموضوع أني أحببتك، وإن كان يحبه، وإنما أراد أنه حببه إلى القلوب، وقرّبه من النفوس، فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون، حتى استحياه في السنة التي يقتل فيها الولدان (3) .

ويستمر أين قتيبة في عمليتي الاستنباط والاستدلال عليه من خلال ذائقته الفنية، وتمرسه في طلاقة البيان العربي، فيذهب بالمجاز الى ابعد حدوده الاصطلاحية، وكأنه فنّ قد تأصّل من ذي قبل، وهذا من مميزات ابن قتيبة في استقراء البعد المجازي.

ولعل من طريف ما استدلّ عليه بسجيته الفطرية قوله تعالى: (وجعلنا نومكم سباتا *) (4) . فيذهب أن ليس السبات هنا النوم، فيكون معناه فجعلنا نومكم نوما، ولكن السبات الراحة، أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم، ومنه قيل: يوم السبت، لأن الخلق اجتمع يوم الجمعة، وكان الفراغ منه يوم السبت، فقيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، ولا تعملوا شيئا، فسمي يوم السبت، أي: يوم الراحة. وأصل السبت التمدد، ومن تمدد استراح، ومنه قيل: رجل مسبوت، يقال: سبتت المرأة شعرها، إذا نفضته من العقص وأرسلته، ثم قد يسمى النوم سباتا، لأنه بالتمدد يكون (5) .

بهذا التذوق الدلالي، والنظر الموضوعي، فهم ابن قتيبة مجاز القرآن، فهل كان من المؤصلين له، هذا ما اعتقده بحدود غير مبالغ فيها، شاهدها عشرات الصفحات في تأويل مشكل القرآن وقد خصصها لمجاز

(1) مريم: 96.

(2) طه: 39.

(3) ظ: ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن.

(4) النبأ: 9.

(5) ظ: ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن.

القرآن بما يعد من أروع البحوث المنجزة في الموضوع، وستقرأه في جزئيات متناثرة في هذا الكتاب، قد سبق الى نقطتين مهمتين في خدمة مجاز القرآن:

الأولى: إشارته منذ عهد مبكر الى مسألة الطعن على القرآن في وقوع المجاز فيه، ومناقشته ذلك ورده على الطاعنين بالموروث المجازي عند العرب وفي القرآن الكريم.

الثانية: إيراده مفردات علمي المعاني والبيان في صدر كتابه بأسمائها الاصطلاحية الدقيقة التي تعارف عليها المتأخرون عن عصره، وإن استخدام كلمة المجاز بمفهومها العام (1) .

وزيادة على ما تقدم فقد جعل المجاز قسيما للحقيقة، لأنه قسم الكلام الى حقيقة ومجاز (2) .

وذهب الى أن أكثر الكلام إنما يقع في باب الاستعارة (3) . وهكذا شأن كل ما هو أصيل أن يعطيك الدقة قدر المستطاع.

2 ـ وليس جديدا أن يكون أبو الحسن الشريف الرضي (ت: 406 هـ) عالما موسوعيا في المجاز بعامة، والمجاز النبوي والقرآني بخاصة، فقد كان ضليعا ببلاغة العرب، وعلوم القرآن، واللغة، والشعر، والنثر، وحسن اختياره لطائفة هائلة من خطب وحكم ورسائل أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، وتسميته لذلك بـ «نهج البلاغة» (4) وتعليقاته وشروحه ووقفاته ولمساته البلاغية عليه، دليل ريادته الأولى في الفن البلاغي، وتمرسه الاستقرائي لأبعاده المختلفة.

وكتابه القيم تلخيص البيان في مجازات القرآن» (5) حافل بالمجاز

(1) ظ: ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 15.

(2) المصدر نفسه: 78.

(3) المصدر نفسه: 101.

(4) طبع مستقلا بتحقيق محمد عبده، وطبع بشرح ابن أبي الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.

(5) حققه الأستاد محمد عبد الغني حسن، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1955.

اللغوي من القرآن وضروبه المتشعبة، ولكنه يؤكد فيه «الاستعارة» والاستعارة جزء من المجاز تكون علاقة المشابهة؛ وهكذا الاستعارة في القرآن.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت