فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31896 من 36878

3 ـ ويحمل الرضي قوله تعالى (وقيل ياأرض ابلعي مآءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر) (2) على الاستعمال المجازي في صدور الأمر منه تعالى، ويقول: «لأن الأرض والسماء لايصح أن تؤمرا أو تخاطبا. لأن الأمر والخطاب لا يكونان إلا لمن يعقل، ولا يتوجهان إلا لمن يعي ويفهم. فالمراد إذن بذلك، الأخبار عن عظيم قدرة الله سبحانه، وسرعة مضي أمره، ونفاذ تدبيره نحو قوله (انما قولنا لشيء إذا أردناه أن نّقول له كن فيكون *) (3) ، إخبار عن وقوع أوامره من غير معاناة ولا كلفة، ولا لغوب ولا مشقة.

وفي هذا الكلام أيضا فائدة أخرى لطيفة. وهو أن قوله سبحانه (يا أرض ابلعي مآءك) أبلغ من قوله: يا أرض اذهبي بمائك. لأن في الابتلاع دليلا على إذهاب الماء بسرعة. . . وكذلك الكلام في قوله سبحانه (ويا سماء أقلعي) لأن لفظ الأقلاع ههنا أبلغ من لفظ الإنجلاء. لأن في الإقلاع أيضا معنى الإسراع بإزالة السحاب، كما قلنا في الابتلاع. وذلك أدل على نفاذ القدرة، وطواعية الأمور، من غير وقفة ولا لبثة، هذا الى ما في المزاوجة بين اللفظين من البلاغة العجيبة والفصاحة الشريفة» (4) .

(1) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 121.

(2) هود: 44.

(3) النحل: 40.

(4) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 162.

وفي قوله تعالى (ففتحنا أبواب السمآء بمآء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر *) (1) يقول الشريف الرضي (المراد ـ والله أعلم ـ بتفتيح أبواب السماء تسهيل سبل الأمطار حتى لا يحبسها حابس، ولا يلفتها لافت. مفهوم ذلك إزالة العوائق عن مجاري العيون من السماء، حتى تصير بمنزلة حبيس فتح عنه باب، أو معقول أطلق عنه عقال. وقوله(فالتقى الماء على أمر قد قدر) أي: اختلط ماء الأمطار المنهمرة، بماء العيون المتفجرة، فالتقى ماءاهما على ماقدره الله سبحانه، من غير زيادة ولا نقصان. وهذا من أفصح الكلام، وأوقع العبارات عن هذه الحال» (2) .

5 ـ وأظهر مما تقدم في مجاز القرآن عند الشريف الرضي نسبة الخشوع والتصدع الى الجبل في قوله تعالى: (لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون *) (3) قال الشريف الرضي: «وهذا القول على سبيل المجاز. والمعنى أن الجبل لو كان مما يعي القرآن ويعرف البيان لخشع في سماعه، ولتصدع من عظم شأنه، وعلى غلظ أجرامه، وخشونة أكنافه. فالإنسان أحق بذلك منه، إذ كان واعيا لقوارعه، وعالما بصوادعه» (4) .

وهذا الملحظ الدقيق في مجازية الآية عند الشريف الرضي مصدره: أن لازم الخشوع والتصدع والخشية، والإدراك والمعرفة والسماع، والجبل لا يسمع ولا يعي، فتأمل أيها الإنسان وتفكّر بما ضربه الله لك من الأمثال.

6 ـ قلنا فيما سبق أن أغلب ما أورده الرضي في تلخيص البيان عبارة عما يقابل الحقيقة في الأستعمال، والاستعارة عندهم كالمجاز باعتبارها استعمالا مجازيا وخلاف الأصل اللغوي، لهذا كان «تلخيص البيان» حافلا

(1) القمر: 11 ـ 12.

(2) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 318.

(3) الحشر: 21.

(4) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 330.

في صنوف الاستعارات القرآنية ولعل من أبلغ ما أورده تعقيبا وشرحا وبيانا، تلك الاستعارات التي كشف فيها عن ذائقته الفطرية في استحياء المراد القرآني وسأكتفي بإيراد بعض النماذج في ذلك:

أ ـ في قوله تعالى (وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون *) (1) قال الرضي: «وهذه استعارة. والمراد بها: أنهم تفرقوا في الأهواء واختلفوا في الآراء، وتقسمتهم المذاهب، وتشعبت بهم الولائج (2) ومع ذلك فجميعهم راجع الى الله سبحانه، على أحد وجهين: إما أن يكون رجوعا في الدنيا. فيكون المعنى: انهم وإن اختلفوا في الاعتقادات صائرون الى الإقرار بأن الله سبحانه خالقهم ورازقهم، ومصرفهم ومدبرهم. أو يكون ذلك رجوعا في الآخرة، فيكون المعنى أنهم راجعون الى الدار التي جعلها الله تعالى مكان الجزاء على الأعمال، وموفّى

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت