فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31897 من 36878

الثواب والعقاب، والى حيث لا يحكم فيهم، ولا يملك أمرهم إلا الله سبحانه.

وشبّه تخالفهم في المذاهب، وتفرقهم في الطرائق، مع أن أصلهم واحد، وخالقهم واحد، بقوم كانت بينهم، وسائل متناسجة، وعلائق متشابكة، ثم تباعدوا تباعدا قطع تلك العلائق، وشذب تلك الوصائل، فصاروا أخيافا (3) مختلفين، وأوزاعا مفترقين» (4) .

ب ـ وفي قوله تعالى (ومن النّاس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) (5) يحمل الرضي الآية على التصوير الاستعاري، ويعطيك معنى عبادة المرء ربه على حرف، تشبيها بالقائم على جرف هار، وحرف هاو. يقول: «والمراد بها ـ والله أعلم ـ صفة الإنسان المضطرب الدين، الضعيف اليقين، الذي لم تثبت في الحق قدمه، ولا استمرت عليه مريرته، فأوهى شبهة تعرض له ينقاد معها،

(1) الأنبياء: 93.

(2) الولائج: جمع وليجة، وهي بطانة الإنسان.

(3) يقال: هم أخوة أخياف، بمعنى: أمهم واحدة وآباءهم متعددون.

(4) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 232 ـ 233.

(5) الحج: 11.

ويفارق دينه لها، تشبيها بالقائم على حرف مهواة، فأدنى عارض يزلقه، وأضعف دافع يطرحه» (1) .

ج ـ وفي قوله تعالى (والذين تبوّءو الدار والإيمان من قبلهم) (2) ، تبرز استقلالية الشريف الرضي في الرأي، وشخصيته في النّقد، واعتداده بصميم بلاغة العرب فيقول:

«وهذه استعارة لأن تبوؤ الدار هو استيطانها والتمكن فيها، ولا يصح حمل ذلك على حقيقته في الإيمان، فلا بد إذن من حمله على المجاز والاتساع. فيكون المعنى أنهم استقروا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان. وهذا من صميم البلاغة، ولباب الفصاحة، وقد زاد اللفظ المستعار ههنا معنى الكلام رونقا. إلا ترى كم بين قولنا: استقروا في الإيمان، وبين قولنا: تبوؤا. وأنا أقول أبدا: إن الألفاظ خدم للمعاني، لأنها تعمل في تحسين معارضها، وتنميق مطالعها» (3) .

وحديثنا عن «تلخيص البيان» قد يطول لو استرسلنا فيه، وفيما قدمناه من نماذج غناء في إقرار منهج هذه الدراسة القائمة على سبيل الإشارة والتلميح العابر لجهود المؤصلين.

والأمر المنظور لدى الشريف الرضي في تلخيص البيان يتجلى في عدة حقائق نشير إليها:

1 ـ استقلاليتة في المنهج والفكر، وأولويته في أولية هذا المنهج البلاغي كتابا مستقلا، وكيانا قائما في مجاز القرآن.

2 ـ تورعه في ذات الله عن الجزم في المعنى القرآني، إذ طالما نجده يبدأ تعقيبه على الآية بعبارة: والله أعلم.

3 ـ هذه العبارة المشرقة، وهذا الأسلوب الحديث، وذلك التدافع في الألفاظ، وكأنك تقرأ فيه بلاغي اليوم لا بلاغي القرن الرابع الهجري.

(1) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 237.

(2) الحشر: 9.

(3) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 330.

لهذا فقد كان سليما ما قرره الدكتور محمد عبد الغني حسين في مقارنته بينه وبين سابقيه: أبي عبيدة وابن قتيبة، في التعبير البلاغي، والأداء الأدبي، والذائقة الفنية، فقال:

«وخذ أي آية شئت من كتاب الله العزيز، وتتبعها عند أبي عبيدة في مجازه، وعند ابن قتيبة في مشكله، وعند الشريف الرضي في تلخيص بيانه، فإنك مؤمن معنا في النهاية بأن سليل البيت النبوي الكريم، كان أغزر الثلاثة بيانا، وأفصحهم لسانا، وأبلغهم في التعبير عن مرامي القرآن بعبارة أدبية مشرقة ناصعة، يتضح فيها ذوق الأديب، ورقة الشاعر، وحسن البليغ، أكثر مما يتضح فيها فقه اللغوي، وعلم النحوي» (1) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت