3 ـ وأما الحديث عن الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت: 471 هـ) فقد سبق لنا القول أنه مطور البحث البلاغي، وواضع أصوله الفينة (2) في كتابين الجليلين: «دلائل الإعجاز» (3) ، و «أسرار البلاغة» (4) . فقد سبر فيهما أغوار الفن القولي شرحا وإيضاحا وتطبيقا، اعتنى باللباب من هذا العلم، وأكد فيه على الجانب الحي النابض، وابتعد عن الفهم العشوائي، والخلط الغوغائي بين النظرية البلاغية وتطبيقاتها، لم يعتن بالحدود المقيدة في علم المنطق، ولم يعر للقوقعة اللفظية أهمية مطلقا، كان وكده منصبا حول ما يقدمه من نتاج فياض إبداعي ينهض بهذا الفن الأصيل الى أوج عظمته ويدفع به الى ذروة مشاركته في بناء الهرم الحضاري، فماذا يجني الباحث والمتعلم، وهذا العلم نفسه، من الجفاف في الحد، او الغلظة في الرسم، أو الصرامة المضنية في القاعدة.
(1) محمد عبد الغني حسن، مقدمة تلخيص البيان: 48.
(2) المؤلف، أصول البيان العربي، رؤية بلاغية معاصرة: 18.
(3) حققه لأول مرة كل من الأستاذ محمد عبدة، ومحمد محمود الشنقيطي. القاهرة، 1921 وصدرت مؤخرا طبعة منقحة، بتحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة 1984.
(4) حققه، وخرج آياته، وضبطه ضبطا علميا فريدا الأستاذ الدكتور هلموت ريتر، مطبعة المعارف، استانبول، 1954 م.
انظر إليه وهو يتحدث عن أصالة «علم البيان» والمجاز أساسه وقاعدته الصلبة ببيان ساحر، ومنطق جزل، وهو يصرح باسمه اصطلاحا فيقول:
«ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا وأنور سراجا من «علم البيان» الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ الدرر، وينفث السحر ويقري الشهد، ويريك بدائع من الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها، وتصويره إياها، لبقيت كامنة مستورة، ولما استبنت لها ـ يد الدهر ـ صورة، ولاستمر السرار بأهلتها، واستولى الخفاء على جملتها، الى فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء» (1) .
لقد بحث عبد القاهر في أسرار البلاغة مفردات «علم البيان» وفي طليعتها المجاز، وبحث في دلائل الإعجاز أغلب مفرجات علم المعاني، وكرّ أيضا على المجاز. والسبب في هذا واصح لأن المجاز القرآني من أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز.
فالمجاز عنده في أسرار البلاغة نوعان: مجاز عن طريق اللغة، وهو المجاز اللغوي، ومضماره الاستعارة والكلمة المفردة.
ومجاز عن طريق المعنى والمعقول، وهو المجاز الحكمي، وتوصف به الجمل في التأليف والإسناد (2) .
وحد المجاز الحكمي «أن كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه من العقل لضرب من التأويل فهي مجاز (3) .
وقد فرّق بين المجاز العقلي واللغوي في الحدود والاستعمال والإرادة، وقال: «أنه إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل، وإذا عرض في المثبت فهو متلقى من اللغة» (4) . وكل من المجازين اللغوي
(1) عبد القاهر، دلائل الإعجاز: 4.
(2) ظ: عبد القاهر، أسرار البلاغة: 376.
(3) المصدر نفسه: 356.
(4) ظ: المصدر نفسه: 344.
والعقلي لا يدرك الا في التركيب، ووراء كل منهما معان غير ما يفهم من تكوين الجملة النحوي في الإيحاءات النفسية التي يستند إليها التصوير القرآني (1) .
وهذا التقسيم لم يكن واضحا بدقته هذه قبل عبد القاهر بل كان المجاز بجملته يشمل صور البيان بعامة، وقد يتخصص بالاستعارة والمجاز كما هي الحال عند الشريف الرضي كما أسلفنا.
وقد استنار بهذه التسمية كل من فخر الدين الرازي (ت: 606 هـ) وأبي يعقوب السكاكي (ت: 626 هـ) بل هما قد نسخا رأي عبد القاهر نسخا حرفيا.
فالرازي يقسم المجاز الى قسمين: مجاز في الإثبات، ومجاز في المثبت، وهما العقلي واللغوي، وعنده أن المجاز في الإثبات إنما يقع في الجملة، وأن المجاز في المثبت إنما يقع في المفرد (2) .
(يُتْبَعُ)