والسكاكي يقسم المجاز الى قسمين: لغوي وعقلي، واللغوي الى قسمين: خال من الفائدة، ومتضمن لها ويسميها الاستعارة. إلا أنه يغض النظر عن المجاز العقلي، ويؤكد على اللغوي، وكأنه يميل الى عدّه أساس المجاز (3) .
وفي «دلائل الإعجاز» نجد عبد القاهر يحقق القول الدقيق في المجال الحكمي عنده، والعقلي عنده وعند غيره ممّن تبعه فيه حتى في التسمية، وهو برؤيته الثاقبة يلمس أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل في أحكام تجريها على اللفظ وهو متروك على ظاهره (4) .
والقول عنده في التفريق بين المجاز والاستعارة، أن المجاز هو
(1) ظ: فتحي أحمد عامر، فكرة النظم بين وجوه الإعجاز: 123.
(2) ظ: الرازي، نهاية الإيجاز: 48.
(3) ظ: السكاكي، مفتاح العلوم: 194 ـ 198.
(4) ظ: عبد القاهر، دلائل الإعجاز: 293 وما بعدها، تحقيق: محمود شاكر.
الاستعارة، لأنه ليس هو بشيء غيرها، وإنما الفرق أن «المجاز» أعم، من حيث أن كل استعارة مجاز، وليس كل مجاز استعارة (1) .
ان الوعي المجازي الذي أدركه عبد القاهر، وميّز فروقه وخصائصه من أبلغ ما توصل إليه العمق البلاغي للمجاز، ومن أفضل ما أنتجه النقد الموضوعي في صياغة المنهج المتطور لدقائق الاصطلاح المجازي.
وستجد ـ فيما بعد ـ في كل من فصلي «المجاز العقلي في القرآن» و «المجاز اللغوي في القرآن» سبرا لنظريته البلاغية في المجاز القرآني، وإشارة مغنية لطائفة من آرائه التطبيقية في الموضوع، فهناك موضعها الطبيعي من البحث.
والذي نؤكد عليه هنا أن تنظير عبد القاهر في المجاز جاء طافحا بآيات القرآن المجيد فهي أصل، وجاء الشعر والأمثال فرعا فيه، لأنه معنيّ ببيان إعجاز القرآن، فهو يستدل عليه بآياته الكريمة.
انظر إليه وهو يتحدث عن المجاز العقلي.
«وهذا الضرب من المجاز كثير في القرآن، فمنه قوله تعالى: (تؤتي أُكلها كلّ حين بإِذن ربّها) (2) ، وقوله عز إسمه: (وإذا تُليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا) (3) ، وفي الأخرى: (فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيمانا) (4) ، وقوله: (وأخرجت الأرض أثقالها *) (5) ، وقوله عزّ وجلّ: (حتى إذا أقلّت سحابا ثقالا سقناه لبلد مّيّت) (6) .
أثبت الفعل في جميع ذلك لما لا يثبت له فعل إذا رجعنا الى المعقول على معنى السبب، وإلا فمعلوم أن النخلة ليست تحدث الأكل،
(1) ظ: عبد القاهر، دلائل الإعجاز: 462 تحقيق: محمود شاكر.
(2) إبراهيم: 25.
(3) الأنفال: 2.
(4) التوبة: 124.
(5) الزلزلة: 2.
(6) الأعراف: 57.
ولا الآيات توجد العلم في قلب السامع لها، ولا الأرض تخرج الكامن في بطنها من الأثقال، ولكن إذا حدثت فيها الحركة بقدرة الله ظهر ما كنز فيها وأودع جوفها. . .
والنكتة أن المجاز لم يكن مجازا لأنه إثبات الحكم لغير مستحقه بل لأنه أثبت لما لا يستحق، تشبيها وردا له إلى ما يستحق، وأنه ينظر من هذا الى ذاك، وإثباته ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق يتضمن الإثبات للأصل الذي هو المستحق. . . (1) .
4 ـ وإذا جئنا إلى دور جار الله الزمخشري (ت: 358 هـ) فسنرى له اليد الطولى في هذا المضمار، وبحدود كبيرة مما أفاده من تجارب الشريف الرضي (ت: 406 هـ) المجازية، وما استقاه من ينبوع عبد القاهر (ت: 471 هـ) البلاغي.
وكان الزمخشري يهدف في جهوده المجازية إلى أمرين:
الأول: هو الهدف المركزي، وهو كشف بلاغة القرآن وتأكيد إعجازه، وإثبات تميزه في التعبير على كل نصّ أرضي وسماويّ.
الثاني: الهدف الهامشي في دعم الفكر المعتزلي القائل باتساع المجاز في القرآن وعند العرب بمنظور كلامي.
وأنا أذهب مذهبه في كلا الأمرين بأغلب وجهات نظره البيانية، لا على اساس معتزلي، فلا علاقة لي بهذا الملحظ، بل من خلال الذائقة البلاغية والفنية في تقويم النصوص العربية العليا ليس غير.
للزمخشري في تطوير نظرية المجاز القائمة في القرآن والمأثور العربي كتابان مهمان هما:
1 ـ أساس البلاغة (2) .
2 ـ الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه
(يُتْبَعُ)