وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي بشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه، أي: بشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور، لأمر واحد كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله) (2) .
فإنه لما كان التقدم بين يدي الرجل خارجا عن صفة المتابع له، صار النهي عن التقدم متعلقا باليدين مثلا للنهي عن ترك الأتبعاع (3) . وهذا جار في الجاز المرسل الذي هو جزء من المجاز اللغوي.
إذن ما ابداه القزويني في هذا التفريع يعود الى الأصل في المجازين المذكورين ليس غير.
نعم هناك ادعاء مجاز جديد أرجأنا الحديث عنه الى هذا الموضع من البحث، لأن لها معه متابعة قد تطول، ولأن تشعباته وأنواعه كثيرة متشابكة، ولا بد لنا من الإشارة إليها جميعا لإثبات أنها ليست أنواعا جديدة على المجاز، ولا تخرج عن شقيه الأصليين العقلي واللغوي؛ هذا المجاز ذكره عز الدين بن عبد السلام (ت: 660 هـ) وسماه «مجاز
(1) ظ: القزويني، الإيضاح: 395 تحقيق الخفاجي.
(2) الحجرات: 1.
(3) ظ: القزويني، الإيضاح: 438 وما بعدها.
اللزوم» (1) ، ونحن نذكر أنواعه عنده وتعقب على كل نوع.
وقد أطنب في دكر أنواعه وتعدادها؛ وبعد مدارستها وجدناها من أجزاء المجازين العقلي واللغوي، واشتمل بعضها على جزء من الكناية، وهو يرفض أن تكون الكناية من المجاز (2) .
أما أنواع «مجاز اللزوم» فهي عنده (3) .
1ـ التعبير بالإذن عن المشيئة، لأن الغالب أن الإذن في الشيء لا يقع إلا بمشيئة الإذن واختياره، والملازمة الغالبة مصححة للمجاز، ومن ذلك قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) (4) .
أي بمشيئة الله، ويجوز في هذا أن يراد بالاذن أمر التكوين، والمعنى «وما كان لنفس أن تموت الا بقول الله موتي» .
وهذا من المجاز العقلي، وعلاقته السببية كما هو واصح، أو أنه من المجاز المرسل باعتبار الإذن تعبيرا عن المشيئة وعلاقته السببية أيضا.
2 ـ التعبير بالإذن عن التيسير والتسهيل في مثل قوله تعالى: (والله يدعوا الى الجنة والمغفرة بإذنه) (5) .
أي بتسهيله وتيسيره. وهذا من المجاز اللغوي المرسل، وعلاقته السببية، أي بسبب من مشيئة الله تعالى وتيسيره وتسهيله.
3 ـ تسمية ابن السبيل في قوله تعالى: (وأبن السبيل) (6) لملازمته الطريق. وهذا من المجاز العقلي، ووجهه وعلاقته من باب تسمية الحال باسم المحل، وذلك لكونه موجود في السبيل.
4 ـ نفي الشيء لانتفاء ثمرته وفائدته للزومهما عنه غالبا في مثل قوله
(1) عز الدين بن عبد السلام، الإشارة الى الإيجاز: 79.
(2) المصدر نفسه: 85.
(3) المصدر نفسه: 79 ـ 85.
(4) آل عمران: 145.
(5) البقرة: 221.
(6) البقرة: 177.
تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد) (5) .
أي وفاء عهد أو تمام عهد، فنفى العهد لانتفاء ثمرته، وهو الوفاء والاتمام.
وهذا التعليل وإن كان واردا، ولكن المراد قد يكون ـ والله العالم ـ من باب الكناية، أي أن المشركون غدرة، فعبّر بعدم الوفاء بالعهد كناية عن الغدر الذي اتصفوا له، والكناية ليست من المجاز حتى عند المصنف رحمه الله.
5 ـ التجوز بلفظ الريب عن الشك، لملازمة الشك القلق والاضطراب، فإن حقيقة الريب قلق النفس، ومن ذلك قوله تعالى: (لا ريب فيه) (2) أي لا شك في إنزاله أو في هدايته.
وهذا ـ والله العالم ـ من باب الكناية، أي اطمئنوا للقرآن، ولا تقلقوا، ولا تضطربوا، فإن من شأن الريب القلق والاضطراب.
(يُتْبَعُ)