(1) الزلزلة: 5.
(2) ظ: بنت الشاطىء، التفسير البياني: 1/ 97.
(3) الضحى: 1 ـ 2.
(4) بنت الشاطىء، التفسير البياني: 1/ 26.
وهذا المناخ النفسي المتقلب بين الإيناس والإيحاش تؤيده قرائن الأحوال في إثارة توديع الله لنبيه من قبل المشركين، وما يصاحب هذا الإعلام المضاد من فزع وقلق وحزن، وما أعقبه بنزول السورة من فرح واغتباط وتطلع، فكانت الفترة بين إبطاء الوحي ونزوله، لم تكن عن ترك أو قلى، فكان الوحي كالضحى في تألقه وسطوعه، وانقطاعه كالليل في هدوئه وسكونه، وكلا الأمرين طبيعيان.
4 ـ الخصائص العقلية في مجاز القرآن
في التعبير القرآني بعامة قد يرد الظاهر، وهو ما لا يحتاج الى كبير جهد في معرفته عادة، فإن تطلب جهدا، فمعالم اللغة تيسره، ومصادر الأثر تفسره، وقرائن الأحوال تكشفه. وقد يرد فيه من الإيحاء والتلويح ما يتخطى حدود الظاهر الى ماوراء الظاهر ضمن إشارات دقيقة، وأبعاد جديدة، فيد الله سبحانه، وعينه، ووجهه، وعرشه، وكرسيه، واستواؤه، ومجيئه، تعبيرات ذات ألوان وخطوط متعددة تضج بالحركة، وتشعر بالتمثيل، ولكنها تحمل أكثر من معناها الأولي دون ريب، وهذا الحمل مما يتطلب الكشف والإيضاح، ولقد شغل المفسرون بهذه الألفاظ وتوجيهها وذهبوا كل مذهب فيها، ولو أنهم اتجهوا نحو المجاز لوجدوا مهمة المجاز العقلية كفيلة بدرء الشبهات والوصول بهم الى ميناء سليم بما تسخره من طاقات كاشفة وتهيؤه من خصائص ثرة تستلهم هذا المناخ، وتسير الى بيان هذا الاتجاه.
ولا تقف الخصائص العقلية عند هذا المنحنى فحسب، بل تتخطاه الى شؤون الخبايا التي تكتشف بالنظر العقلي، فتعالج أبعادها معالجة بناءة. وقد تتجاوز هذين الحدين الى كل ما من شأنه الرصد العقلي أو إثارة العقل الإنساني بلحاظ ما، فتثير جاوفره، وتنبه مداركه، فيتحرك عن جموده، ويتمرد على إغلاله، ليكون مستقلا بالإرادة والاعتبار والنظر.
1 ـ حينما يتجه التعبير القرآني الى تنزيه الباري، وإفادة ديمومته غير المحدودة، فهو كائن قبل الكون، وخالد بعد الفناء، ومستمر في أمثولة البقاء، فهو حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، الباقي بعد فناء
الأشياء، والأزلي في كل تقلبات الأحوال نشاهد توالي التعبير المجازي في مثل هذه المظاهر، وهي معبرة عن الخلود حينا، وعن التنزيه حينا آخر، ووصفه بما عبر عنه حقيقة لكان تجسيما، ولو أريد به ظاهره لكان تشبيها، ولو ترك وحاله لتعاورته الزمانية والمكانية وهكذا؛ وسيمر في فصل المجاز العقلي وفصل المجاز اللغوي، وما يشير الى هذا الموضوع من وجوه أخرى، ونشير إليه هنا بما يدفع هذه الشبهات ويصفي حسابها، ففي كل من قوله تعالى:
أ ـ (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام *) (1) .
ب ـ (كل شيء هالك إلاّ وجهه) (2) .
ج ـ (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان) (3) .
د ـ (تجري بأعيننا) (4) .
هـ ـ (ثمّ استوى الى السماء فسوّاهن سبع سماوات) (5) .
و ـ (وجآء ربّك والملك صفّا صفّا *) (6) .
في هذه الآيات إطراء بالخلود تارة، وإشارة بالقوى والقدرة تارة أخرى، وإشعار بالعناية سواهما، وتشبث في الحركة والنقلة لمن حمل الأمر على ظاهره.
ولكن الموضوع ينقلب الى تنزيه عن الصفات التي يتمتع بها الناس، والابتعاد عن المتعارف من الجوارح والأحداث وذلك على طريقة العرب في الاستعمال وسنن الكلام.
في الآيتين (أ، ب) أطلق الوجه باعتباره أشرف الأعضاء لمن يتصف بها وهي قابلة له، وأريد به هنا الذات القدسية دون إرادة التجسيم أو التركيب أو الكيفية أو المواصفات في الوجه وأجزائه، وهذا ما يفسره لنا
(1) الرحمن: 27.
(2) القصص: 88.
(3) المائدة: 64.
(4) القمر: 14.
(5) البقرة: 29.
(6) الفجر: 22.
(يُتْبَعُ)