المجاز مستندا فيه الى العرف العربي من وجه، والى النظر العقلي من وجه آخر، أما العرف العربي فهو يطلق الوجه ويريد به الذات اتصفت بالوجه أو لم تتصف، باعتبار الوجه أشرف السمات الاعتبارية في حقائق الأشياء دون تصور جهة ما. وأما النظر العقلي فهو الدال على أن الباري فوق المحدثات والممكنات ولو كان له وجه حقيقة لكان محدثا أو ممكنا، وهو خلاف ذاته الأبدية والأزلية.
وفي الآية (جـ) تتحدث الآية عن يد ويدين، وليس لنا أن نتصور اليد ذات الأصابع، أو اليدين في رسغ ومعصم وذراع، وإنما هو التعبير بكلا الموضعين دون النظر الى الواحدة أو الاثنينية ـ عن القوة والسيطرة والقدرة والاستيلاء حينا، وعن الكرم والجود والإفاضة حينا آخر، وذلك لوجود علاقة ومناسبة بين هذه الصفات وهذه الملكات وبين اليد أو اليدين، فإن مظاهر العدة والقدرة والمقدرة إنما تصدر عن اليد وبها يتجلى مدى الاستيلاء المطلق، وأن الفضل والنعمة والعطاء إنما تصدر عن اليد أيضا وبها يتبين نوع الكرم والإيثار، والعرب على عادتهم قد يعبرون بأن لفلان عليّ يدا، ويريدون نعمة ودالة حتى وإن لم تكن له يد حقيقة كأن كان مقطوع اليد مثلا، وكذلك الحال هنا، فليس لنا أن نتصور لله يدا بالمعنى الحقيقي، كما أنه تعالى ليس له عين في الآية (د) بالمعنى الحقيقي أيضا، فهو بصير دون عين، وسميع دون أذن، والمراد بالآية: أي تجري بمرأى منا، وبتسديد من رعايتنا، وبنظرة من عنايتنا، دون تصور العين الباصرة، وما يقال بالنسبة للآيات المتماثلة التي تنص على ذكر الجوارح.
وفي الآية (هـ) ثم استوى الى السماء (الرحمن على العرش استوى *) (1) تعبير مجازي يؤكد الخصائص العقلية في مجاز القرآن، للإشارة الى الاستعلاء والسيطرة والتمكن والنفوذ والحاكمية المطلقة على العوالم كافة علوية وسفلية، مرئية وغير مرئية، دون تصور جلوس أو مكان أو كرسي يقبل إستواء الأجسام عليه، وقد تناسق الحديث عن الاستواء بما يقال عن معناه عند الشريف الرضي فقال: «أي قصد خلقها كذلك (أي
(1) طه: 5.
السموات)، لأن الحقيقة في إسم الاستواء الذي هو تمام بعد نقصان، واستقامة بعد اعوجاج، من صفات الأجسام، وعلامات المحدثات» (1) .
وقد أورد في تعليل الاستواء السيوطي عدة وجوه لنفي التجسيم والكيفية يمكن النظر فيها (2) .
وفي الآية (و) ينظر الى المعنى بهذا المدرك، فذاته القدسية لا تدرك ولا تعين ولا ترى، وليست جسما متنقلا، يقبل الحركة والذهاب والمجيء، وإنما ذلك مجيء أمره، وتجلي عظمته، وإنزال قضائه، وإرصاد إرادته الكائنة، وكأنه قادم ومتمثل في تلك اللحظات الحاسمة بذاته المتعالية على سبيل قوله تعالى: (هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله. . .) (3) .
والإتيان ليس شأنه، ولا قابل عليه، ولا منظور إليه في السير أو التحرك أو الاتجاه، وعاينة العباد خير جارية عليه، فلا مكان، ولا مشادة، ولا نقلة، ولا مجيء، ولا إتيان، بل هو التحور اللغوي الذي أعطى الألفاظ معانيها الإضافية.
وهو عند الزمخشري «تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثاره قهره وسلطانه، بحال الملك إذا حضر بنفسه، وظهر بحضوره من آثار الهيبة السياسية ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه» (4) .
ولا أميل الى هذا التمثيل إذ لا مقارنة بين رب الأرباب والعباد في وجه من الوجوه، بل أذهب فيه للمجازية على سنن كلام العرب، وأؤيد ما أورده أبو حيان بأن مجيء الله تعالى «ليس مجيء نقلة، والحركة عليه محال لأنها تكون من جسم، والجسم يستحيل أن يكون أزليا» (5) .
2 ـ وحينما تكون الحقيقة القائمة أمرا حتميا، وكيانا مرئيا مع القدرة غير المتناهية، والخرق لعادات الأشياء ونواميس الطبيعة، يكون التجوز في
(1) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 115.
(2) ظ: السيوطي، الاتقان: 3/ 15.
(3) البقرة: 210.
(4) الزمخشري، الكشاف: 4/ 253.
(5) أبو حيان، البحر المحيط: 8، سورة الفجر.
(يُتْبَعُ)