فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31931 من 36878

القرآن قائما على أساس إضافة المعاني الجديدة لمن ليس شأنه أن يتصف بذلك، ولكنه ارتفع لذلك المستوى بالنظر العقلي بهذا التعبير الموحي، أو تلك الحركة من الألوان، تأكيدا على حقيقته، وكأنه كذلك، فالحياة توهب الى الأرض كما توهب الى الإنسان، وليس للأرض حياة، ولكن زهرتها ونضرتها، وحيويتها، وخضرتها، وازدهارها واهتزازها، كان على سبيل من الحياة، وكأن ذلك حياة في واقعه، وديمومة في الإيحاء بمقتضاه، وفي هذا الملحظ نقف عند كل من قوله تعالى:

أ ـ (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الى بلد مّيّت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور *) (1) .

ب ـ (ومن ءاياته أنّك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنّه على كل شيء قدير *) (2) .

ج ـ (ومن ءاياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزّل من السّماء ماءً فيحيء به الأرض بعد موتها إن في ذلك لايات لقوم يعقلون *) (3) .

ففي الآية (أ) ستجد الحياة قبال الموت بالنسبة للأرض، والحياة والموت لها غير حقيقيين ولكنهما مجازيين، وقد تجوز بهما النص القرآني لإعطاء صفة الحياة لمن لا حياة له، وذلك بإيجاد معالم الحياة من الزينة والاهتزاز والإنبات وأخراج الثمرات، فكان إضفاء صفة هذه المعالم على الأرض حياة لها، كما أن سلب هذه المظاهر موت لها، ذلك من أجل الاستدلال على الحقيقة الكبرى، وهي إحياء الموتى، وإثبات النشور عن طريق التمثيل والقياس البديهي العقلي، فكما كانت الأرض ميتة فأحياها، فهو يحيي الموتى بكمال القدرة، ذلك الإحياء بإرادة الكينونة المطلقة، وهذا الإحياء بإيجاد العوامل المسببة له، وكلا الإحيائين مصدره أمره الكائن.

والملحظ المدرك بهذا تنبيه العقل الإنساني وإثارة حوافزه من حناياه

(1) فاطر: 9.

(2) فصلت: 39.

(3) الروم: 24.

الخبيثة لتتيقظ عن طريق الاستدلال الفطري، فكما تحيا الأرض بعد موتها، يحيا الناس بعد موتهم سواء بسواء.

وفي الآية (ب) تتجلى عناية المجاز القرآني بتصوير هذه الظاهرة وتأكيدها بأمرين: إحياء الأرض وإحياء الموتى، وذلك بإيجاد العلاقة القائمة بين إحياء الأرض وهي موات، وإحياء الأجساد في البلى، فالقادر على هذا قادر على ذاك، فكل ما من شأنه أن يموت فالله قدير على إحيائه، والتحقيق العقلي والنظر عند العقلاء يقضيان بصحة هذه المعادلة، ولا يبعد أن ترصد الإشارة هنا الى الطبيعة الأرضية والأصل التركيبي في جسم الإنسان لدى خلقه الإعجازي من طين، أو لدى بعثه من الأرض بعد تلاشي عناصره بعناصرها ورجوعها الى أصلها الأول، ومن ثم فإنها تنشر وتعاد كما كانت أولا.

وفي الآية (جـ) كان الاستدلال بلحاظ النظر الجدي في إراءته للبرق بين الخوف والطمع، وإنزاله للمطر من السماء فيحيي به الأرض، بعد موتها، على سبيل المثال ما بيناه فيما سبق من إضفاء صفة الحسّ والنبض والحياة على من يؤهل له، وإطلاق ذلك عليه تجوزا من أجل التعقل والتدبر والتفكر بآيات الله وحججه الدامغة.

ومجال القرآن في حججه البالغة، وتنزيلاته العقلية متواترة متكاثفة يقتسمها المجاز والحقيقة معا.

3ـ وفي مقام الرد على المشركين، وتسفيه أحلامهم، والنعي على عقولهم المتحجرة، يقف المجاز مما يعبدون موقف المحكم للحس والوجدان لإبطال عباداتهم، وإثبات فساد أعمالهم، ففي قوله تعالى: (مثل الذين أتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت أتّخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون *) (1) .

لمس الزمخشري أن الكلام قد أخرج بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز فكأنه يقول: وإن أوهن ما يعتمد عليه الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون (2) .

(1) العنكبوت: 41.

(2) ظ: الزمخشري، الكشاف: 3/ 455.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت