وهو استخراج دقيق فيما أحسب، إذ كما يتلاشى هذا الجهد الضائع الذي تبذله العنكبوت وهي تتخذ لها بيتا ليست له مقومات البيوت في الوقاية، ولا أحكامها في العمارة، فكذلك جهدهم بعبادتهم الواهنة، ولما كان أوهن البيوت هو بيت العنكبوت، فقد ثبت أن دينهم المخالف لعقيدة التوحيد هو أوهن الأديان وأعجزها، فعلق حمل الآية مجازا على قضية منطقية قياسية ذات طرفين صغروي وكبروي. ومن ثم كانت النتيجة: أن أوهن الأديان هو دينهم (1) .
4 ـ وحين يريد المجاز القرآني تنبيه العقول، وتوجه المشاعر نحو الحدث بالذات، فإنه يشير إليه وحده ليثير الانتباه حوله، فيضفي صفة الفاعلية على غير الفاعل حينا، وسمة الإرادة على غير المريد حينا آخر، ويضيف ضجيج الحركة على غير المتحركة، فتقف خاشعا أمام الأسلوب العقلي وهو يستعمل صيغة الفاعل ويريد بها المفعول، وهو نوع من المجاز العقلي في علاقاته ووجوهه البيانية، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: (يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة * أبصارها خاشعة * يقولون أءنا لمردودون في الحافرة * أءذا كنا عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كره خاسرة * فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة *) (2) .
فأنت أمام هذه الألفاظ: الراجفة، الرادفة، الحافرة، الخاسرة، الساهرة، وكلها بصيغة الفاعل مع أن الأصل أن تكون الأرض مرجفة لا راجفة، وأن التابعة مردفة لا رادفة، وأن حفرة القبر محفورة لا حافرة، وان الكرة خسر أصحابها، وأن الساهرة سهر أربابها، وعدول القرآن عن هذا الأصيل بمثل هذا الاطراد ظاهرة أسلوبية لا يهون إغفالها، قد يكون المراد وهي تتكرر في القرآن لفت النظر نحو الحدث بما له من طواعية وتلقائية مستغنيا فيه عن ذكر المحدث وهو الله تعالى، فالأرض راجفة وهي مرجوفة، والرادفة التابعة وهي مردوفة، وهكذا القول بالنسبة للحافرة والخاسرة والساهرة، فهنا طواعية تتمثل في أن ترجف الأرض ذاتها، وهنا
(1) ظ: المؤلف، الصورة الفنية في المثل القرآني: 158.
(2) النازعات: 6 ـ 14.
تلقائية تغني عن ذكر المحدث جل شأنه، بما أودع سبحانه في الأرض من قوة التسخير لما يريد لها، وهنا أيضا مباغتة، لا يدري معها الإنسان يوم القيامة، وتركيز للانتباه في أخذ الرجفة بحركة تلقائية، صائرة الى ما سخرت له (1) .
في هذا المناخ يتيقظ العقل، ويصحو الضمير، وتتحرك العواطف، مستفيدة العظة والعبرة والإقلاع عن الغي، وكل ذلك من خصائص المجاز العقلية، لأن فيه توجها للحدث ذاته كما في قوله تعالى: (فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفّاهن الموت *) (2) إذ اعتبر المتوفى هو الموت، والموت لا يتوفى، لأن المتوفى هو ملك الموت بأمر الله تعالى، وهو المتوفي الحقيقي «فنقل الفعل الى الموت على طريق المجاز والاتساع، لأن حقيقة التوفي هو قبض الأرواح من الأجسام» . (3) ولكنه طوى ذكر الفاعل الحقيقي في هذا المجال، تأكيدا على حقيقة الموت وطواعية حدوثه، فكأنه يحدث ذاتيا، ويقع تلقائيا، وفي ذلك كبح للنفوس، وتهيؤ للمدارك، وضبط للشهوات.
وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى:
(ومن خفّت موازينه فأولائك الّذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون *) (4) فنسبة الخسران الى النفوس، وإضافته إليها من المجاز العقلي، واستعمل له التنظير الحسي لتحريك العقل الإنساني من غفلته، فعمره بضاعة، ومراد البضاعة الربح، فمن تعرض لخسران هذه البضاعة حسيا، كمن خسر عمره وأضاعه عقليا، وقد نبه السيد الشريف الرضي على هذا الملحظ فقال:
«لأن الخسران في التعارف إنما هو النقص في أثمان المبيعات، وذلك يخص الأموال لا النفوس، إلا أنه سبحانه لما جاء بذكر الموازين
(1) ظ: بنت الشاطىء، التفسير البياني: 1/ 116.
(2) النساء: 15.
(3) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 127.
(4) الأعراف: 9.
(يُتْبَعُ)