وثقلها وخفتها جاء بذكر الخسران بعدها، ليكون الكلام متفقا، وقصص الحال متطابقا، فكأنه سبحانه جعل نفوسهم لهم بمنزلة العروض المملوكة، إذ كانوا يوصفون بأنهم يملكون نفوسهم، كما يوصفون بأنهم يملكون أموالهم. وذكر خسرانهم لأنهم عرضوها للخسار، وأوجبوا لها عذاب النار، فصارت في حكم العروض المتلفات، وتجاوزوا حدّ الخسران في الأثمان، الى حدّ الخسران في الأعيان» (1) .
ويبدو مما تقدم أن الخصائص العقلية في المجاز القرآني قد اتخذت صيغا مختلفة الأبعاد ولكنها الإرادة، فقد استوعبت مختلفة الوجوه في الاستدلال العقلي الى المعرفة العلمية القائمة على أوليات ضرورية تنتهي الى نتائج حتمية، لها ما لهذه الأوليات من اليقين العلمي الثابت بأعتبار أن المقدمات الضرورية تنتهي بداهة الى نتائج ضرورية.
وقد تتخذ طابع درء الشبهات بإثبات الحقائق الناصعة فيما وراء التعبير الظاهري من إيحاء يتوصل إليه بالنظر العقلي في خرق عادات الأشياء ونواميس الكون.
وقد تكون تلك الخصائص مدعاة الى التأثير الوجداني في التوجه نحو الحدث، وتصور تلقائيته لتنبيه العواطف، وصحوة الضمير.
كل هذه شذرات تلتقط في مخزون الخصائص العقلية لمجاز القرآن.
(1) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 142.
الفصل الرابع
المجاز العقلي في القرآن
1 ـ تشخيص المجاز العقلي في القرأن وعند العرب.
2 ـ المجاز العقلي في القرآن بين الإثبات والإسناد
3 ـ قرينة المجاز العقلي في القرآن
4 ـ علاقة المجاز العقلي في القرآن
1 ـ تشخيص المجاز العقلي في القرآن وعند العرب
المجاز العقلي هو الذي تتوصل إليه بحكم العقل، وضرورة الفطرة، وسلامة الذائقة، فيخلصنا من مآزق الالتباس، وشبهات التعبير، فتنظر اليه ـ وهو يثير الإحساس ـ مشخصًا عقليا، وكأنك تراه، وتلمسه ـ وهو يهز الشعور ـ شيئا مدركا، وكأنك تبصره، طريقة استعماله تنم عن نتائج إرادته، ودلالته في الجملة تكشف عن حقيقة مراده، فالالفاظ فيه لم تنقل عن أصلها اللغوي، فهي هي تدل على ذاتها الوضعية بذاتها، والكلمات لم تجتز موضعها في اللغة الى مقارب له أو مشابه، لا من قريب ولا من بعيد، لهذا يقتضي إزاحة الستار عن هذا المجاز لذائقة خاصة، وريادة متبلورة، فليس في المفردات مايدل على مجازية الاستعمال، وإنما يستشعر ذلك حسيا وعقليا معا عن طريق التركيب في العبارة، والإسناد في الجملة؛ فهو مستنبط من هيأة الجملة العامة، ومستخرج من تركيب الكلام التفصيلي دون النظر في لفظ معين، أو صيغة منفردة، وهذا ما يميزه عن المجاز اللغوي كما سترى؛ فهو إطار جديد، ونتاج جديد، بأسلوب جديد.
ويعود كشف هذا النوع من المجاز الى عبد القاهر (ت: 471 هـ) فهو مبتدعه ومبتكره من خلال نظره الثاقب في مجاز القرآن الإصطلاحي، ومجازات العرب في أشعارها وتراثها، ويرجع الفضل فيه اليه في بيان أبعاده الحقيقية فهو رائده الأول كما يبدو لنا، وما يراه الدكتور طه حسين من ذي قبل (1) .
(1) ظ: طه حسين، مقدمة كتاب نقد النثر، لقدامة: 29.
ويسمى عبد القاهر هذا المجاز بعدة أسماء متعددة، تعود الى معنى واحد، فحينما يسند اكتشافه الى العقل السليم يسميه: مجازا عقليا، وحينما يتوصل اليه بحكم العقل يسميه: مجازا حكميا، وحينما يراه في الإثبات دون المثبت يسميه: مجازا في الأثبات، وحينما يظهر له من إسناد الجملة يسميه: إسنادا مجازيا أو مجازا إسناديا (1) ، وقد نبه يحيى بن حمزة العلوي (ت: 749 هـ) الى فكرة ابتكاره وتشخيصه وتسميته، أسندها الى عبد القاهر ليس غير، فقال:
(يُتْبَعُ)