فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31934 من 36878

«إعلم ان ما ذكرناه في المجاز الإسنادي العقلي، هو ما قرره: الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني، واستخرجه بفكرته الصافية، وتابعه على ذلك الجهابذة من أهل هذه الصناعة، كالزمخشري وابن الخطيب الرازي وغيرهما» (2) .

وهذا التنبيه من صاحب الطراز في موقعه لأن من جاء بعد عبد القاهر قد استند اليه، ولم يزد عليه، بل بقي متأرجحا فيه بين عدة مداليل، وقد يلجأ الى التطبيق عليه دون النظر في المفهوم، ولنأخذ بذلك نموذجين:

الأول في التعريف: فقد ذهب السكاكي أن المجاز العقلي هو:

«الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم لضرب من التأويل، إفادة للخلاف لا بواسطة وضع، كقولك: انبت الربيع البقل، وشفى الطبيب المريض، وكسا الخليفة الكعبة، وهزم الأمير الجند، وبنى الوزير القصر» (3) .

فالسكاكي هنا في مجال التعريف والتمثيل معا، لم يزد شيئا على ما حققه عبد القاهر في التعريف حينما قال عن المجاز العقلي:

«وحدّه أن كل كلمة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه من العقل لضرب من التأويل فهو مجاز» (4) .

(1) ظ: عبد القاهر، دلائل الاعجاز: 227، أسرار البلاغة: 338.

(2) العلوي، الطراز: 3/ 257.

(3) السكاكي، مفتاح العلوم: 208.

(4) عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة: 356.

الثاني في التطبيق: ووفق هذا الفهم للمجاز العقلي عند عبد القاهر تجد الزمخشري (ت: 538 هـ) يخرج المعنى الكامل، مخرج المجاز في قوله تعالى:

(مثل الذّين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون *) (1) .

فقد حملها على الإرادة المجازية في النظر العقلي، ناظرا التركيب الجملي دون اللفظ المفرد، من خلال تشخيص عبد القاهر للمجاز العقلي، فيتحدث عن الآية ويقول:

«أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز، فكأنه قال: وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لوكانوا يعلمون» (2) .

وما دام عبد القاهر هو السبّاق لتشخيص المجاز العقلي، وما دام غيره، لم يزد عليه شيئا، فسيكون حديثنا منصبا حول ما أبدعه في هذا المضمار بالدرجة الأولى.

فلقد حقق عبد القاهر في المجاز الحكمي عنده، والعقلي عنده وعند من بعده، ورأى أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل لدى استقراء الجمل في التركيب، والنظر في مجموعة المفردات المكونة للكلام، فهو يقول:

«واعلم أن طريق المجاز والاتساع. . إنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه، فتجوزت بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه.

وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن الكلام مجازا على غير هذا السبيل. وهو: أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط، وتكون الكلمة

(1) العنكبوت: 41.

(2) الزمخشري، الكشاف: 3/ 455.

متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودا في نفسه، ومرادا من غير تورية ولا تعريض.

والمثال فيه قولهم: نهارك صائم وليلك قائم، ونام ليلي، وتجلى همي، وقوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم. . .) (1) .

وقول الفرزدق:

سقاها خروق في المسامع لم تكن * علاطا ولا مخبوطة في الملاغم

وقد عقب على هذه النماذج بقوله:

«أنت ترى مجازا في هذا كله، ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ، ولكن في أحكام أجريت عليها، أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك: «نهارك صائم وليلك قائم» في نفس «صائم» «وقائم» ولكن في أن أجريتهما خبرين عن الليل والنهار، كذلك ليس المجاز في الآية في لفظة «ربحت» نفسها، ولكن في إسنادها الى التجارة. وهكذا الحكم في قوله: سقاها خروق، ليس التجوز في نفس «سقاها» ولكن في أن أسندها الى الخروق. أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته؟ فلم يرد بصائم غير الصوم، ولا بقائم غير القيام، ولا بربحت غير الربح، ولا بسقت غير السقي. .» (2) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت