2 ـ وفي قوله تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنّة يأيتها رزقها رغدا من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون *) (1) ، عدة استعمالات مجازية متطورة، يتعلق بعضها بالمجاز العقلي، والآخر بالمجاز اللغوي في الاستعارة، ولا حديث لنا معه، والشأن في المجاز العقلي حيث وصف القرية بكونها أمنة مطمئنة، وقد علم بالضرورة أن الأمن والأطمئنان لا تتصف بهما مرافق القرية وجدرانها، وإنما يتنعم بهما أهلها وسكانها، فعبر مجازا عن طريق إطلاق اسم المحل وهو القرية، على الحال فيها وهم الأهل والساكنون، وعبّر عن الرزق بأنه يأتي، الرزق ليست له حركة ولا إرادة في التنقل والقصد، وإنما الله تعالى هو الذي يسخر من يجلب الأرزاق إليها، ويأتي بها ـ وهو الرزاق ذو القوة المتين ـ من كل مكان الى تلك القرية أو هذه تعبيرا عن تنعمها وعيشها الرغيد فكأن الرزق يقصدها سائرا سادرا متوافرا.
وفلسفة هذا المثل القرآني الفريد، أن لا يكفر ذوو النعم بنعمهم، فيصيبهم ما أصاب هذه القرية من التلبس بالجوع والخوف والإذلال.
فالمجاز ـ إذن ـ وهو في سياق التشبيه التمثيلي المنتزع من صور متعددة من باب القياس التمثيلي، وذلك من خصائص المجاز الفنية.
3 ـ وفي قوله تعالى: (ألم تر الى الّذين بدّلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار *) (2) ، أضافت الآية إجلال البوار الى الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وذلك بسبب من سوء أعمالهم وكفرهم وطغيانهم وكان ذلك
(1) النحل: 112.
(2) إبراهيم: 28.
نتيجة لكفرهم، ومظهر كفرهم إطاعتهم أكابرهم بالكفر، في حين أن الذي أحل هؤلاء وهؤلاء دار البوار ـ على سبيل العقوبة والمجازاة ـ هو الله تعالى جلّ شأنه. وهنا تلمس قيمة المجاز وتدرك خصائصه الفنية، وذلك حينما تعلم موقع تبديل النعم بالكفر في الإحلال بدار البوار، والكفر ـ بحد ذاته ـ ليس بقادر ولا متصرف ولا متمكن، ومع هذا فهو السبيل الى دار البوار بالقوة والفعل والعيان، وإن كان المحدث للأمر غيره دون ريب، فالمراد أجتنابه، والابتعاد عن دائرته، وإحلال الشكر محله، تطبيقا لقوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنّكم) (1) .
4 ـ وفي قوله تعالى: (مثل الجنّة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أُكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتّقوا وعقبى الكافرين النار *) (2) ، تجد جرسا موسيقيا، وتخامر لذة علوية، تأنس لها النفس، وتهش لها الطبيعة الإنسانية، وذلك عندما تتحدث الآية عن الملذات الحسية فضلا عن الملذات الروحية وأنت تتخيل الأنهار جارية، وحولها الضلال الفسيحة، والأكل الدائم، وفي الجنة التي وعد المتقون. والأنهار وعاء للماء ومستقر له، راكد أو سارب بأمر الله تعالى، وهي ثابتة غير متنقلة، فهي مكان الجري، وما يجري فيها هو الماء، فلما أسند الجري الى الأنهار علمنا عقلنا بالحكم عليه: أنه مجاز لأن الماء هو الجري إلا ان مكانه الأنهار، فعبّر عن جريان ذلك الماء بجري الأنهار نفسها بوصفها مكانا له، أو باعتبار الكثرة والغزارة في هذا الجري حتى ليخيل أن هذه الأنهار تجري بنفسها، وإنما اعتبر المكان باعتبار الإسناد إليه، والعامل الحقيقي غيره، وما يدريك فلعل في هذا الاستعمال ـ وهو كذلك ـ من القوة في الاندفاع، والسيطرة على النفس، وعظيم التصوير الفني، أضعاف ما في الاستعمال الحقيقي من الدلالة على المعنى المراد أداؤه بالضبط.
5 ـ وفي قوله تعالى: (والضحى * والليل إذا سجى *) (3) ، تبرز
(1) إبراهيم: 7.
(2) الرعد: 35.
(3) الضحى: 1 ـ 2.
دلالة المجاز العقلي في إسناد العامل المؤثر الى الزمان، فسجى بمعنى سكن، والليل وإن وصف بالسكون فسكونه مجازي لأنه غير قابل للحركات المباشرة الت قد توصف بالهدوء حينا، وبالفعالية حينا آخر، وإنما أراد به سكون الناس عن الحركات، وخلودهم الى السبات، واستسلامهم الى الراحة.
(يُتْبَعُ)