قال الراغب (ت: 502 هـ) «وهذا إشارة الى ما قيل: هدأت الأرجل» ، (1) فهو يعني بذلك هدوء الناس بهدوء حركاتها المنطلقة من أرجلها وجوارحها حينا، ومن ضجيجها وصخبها حينا آخر.
وهذا لا يمانع من القسم برب الضحى والليل إذا سجى، أو بهما معا لما فيهما من عجائب الصنع، وعلى الإيجاد، وتقلب الكواكب، وعظم الإبداع.
6 ـ وقد يتوسع بعضهم في المجاز العقلي في القرآن حتى يخالف فيه الظاهر، أو يؤول تأويلا كلاميا، ونحن وإن أعرضنا عن الخوض في هذا الملحظ بالذات، لأن القرآن أسمى علاء وبيانا من الجزئيات الكلامية إلا أننا نورد هنا نموذجا من ذلك لئلا تكون ثغرة في البحث، عسى أن لا يقال ذلك فيه، والكمال لله وحده. ففي قوله تعالى: (إنّ الّذين ءامنوا والّذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون *) (2) ، قال الشيخ الطوسي (ت: 460 هـ) .
«وقد استدلت المرجئة بهذه الآية على أن العمل الصالح، ليس من الإيمان، لأن الله تعالى أخبرهم عنهم بأنهم آمنوا، ثم عطف على كونهم مؤمنين. إنهم إذا عملوا الصالحات ما حكمها؟ قالوا: ومن حمل ذلك على التأكيد أو الفضل، فقد ترك الظاهر. وكل شيء يذكرونه مما ذكر بعد دخوله في الأول مما ورد به القرآن: نحو قوله تعالى: (فيهما فاكهة ونخل ورمان
(1) الراغب، المفردات في غريب القرآن: 225.
(2) البقرة: 62.
*) (1) ونحو قوله: (وإذ أخذنا من النّبيّن ميثاقهم ومنك ومن نوح) (2) ، ونحو قوله: (والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا) (3) ، وقوله: (حم *) (4) .
قالوا: جميع ذلك مجاز.
ولو خلينا والظاهر، لقلنا: إنه ليس بداخل في الأول. فإن قالوا: أليس الإقرار والتصديق من العمل الصالح؟ فلا بد لكم من مثل ما قلناه، قلنا: عنه جوابان؟
أحدهما: أن العمل لا يطلق إلا على أفعال الجوارح، لأنهم لا يقولون: عملت بقلبي، وإنما يقولون: عملت بيدي أو برجلي.
والثاني: أن ذلك مجاز، وتحمل عليه الضرورة. وكلامنا مع الإطلاق (5) .
ولا نريد الاسترسال في تطبيق أمثلة الممارسات البيانية الجديدة في مجاز القرآن العقلي من خلال علاقته في وجوه الاستعمال بل نريد التأكيد مجددا أن تتبع شذرات هذا المجاز في هذا العطاء الضخم، قد مثل لنا الإرادة الاستعمالية المتطورة، والمناخ الفني المضيء، بما أفاده من قدرة خارقة في استيحاء التلازم الذهني بين الأصل وهو على طبيعته لم ينقل منها، وبين الفرع الذي هو المجاز في إداركه من خلال الترابط البياني لدى الانتقال من معنى الى معنى جديد بحكم الإسناد، لا بحكم الألفاظ، وتلك ميزة المجاز العقلي في القرآن العظيم، إفصاحا منها في ترجمة المشاعر ومسايرة العواطف، وصيانة اللغة والتراث والشريعة دفعة واحدة.
وبذلك يتحقق الغرض الفني والغرض الديني بلحاظ مشترك أنيق.
(1) الرحمن: 68.
(2) الأحزاب: 7.
(3) الحديد: 19.
(4) محمد: 1.
(5) ظ: الطوسي: البيان في تفسير القرآن: 1/ 285.
الفصل الخامس
المجاز اللغوي في القرآن
1 ـ المجاز اللغوي بين الاستعارة والمجاز المرسل
2 ـ انتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن
3 ـ علاقة المجاز اللغوي المرسل في القرآن
1 ـ المجاز اللغوي بين الاستعارة والمجاز المرسل
ليس جديدا أن يكون عبد القاهر (ت: 471 هـ) هو أول من تنبه شخصيا، ونبه الآخرين الى الفروق المميزة بين الاستعارة والمجاز المرسل في حديثه عن المجاز اللغوي، حينما قرن المجاز بالاستعارة، باعتبار علاقته غير المشابهة، وعلاقة الاستعارة هي المشابهة (1) .
وقد سبق لنا القول فيما مضى من هذا الكتاب (2) : إن المجاز اللغوي ذو فرعين في التقسيم البلاغي، لأن مجاله رحاب اللغة في الانتقال بالألفاظ من معنى الى معنى، مع وجود القرينة الدالة على المعنى الجديد.
(يُتْبَعُ)