فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31946 من 36878

فشبه سبحانه سلخ النهار من الليل، بسلخ جلد الشاة، والسلخ حقيقة إنما يستعمل في هذا المعنى ونظائره فكما كانت الشاة وجلدها ملتحمين ففك التحامهما بالسلخ، فأصبح كل منهما حقيقة قائمة بذاتها، فكذلك فك التحام الليل بالنهار فأصبح كل منهما حقيقة قائمة بذاتها، وأجرى على هذه العملية لفظ السلخ بلحاظ المشابهة بين الحقيقتين في الالتحام قبل السلخ والانفصال التام بعد السلخ، فكما هو هناك فهو هنا، وذلك جار على الاستعمال المجازي أيضا، ولكن بمنظور المشابهة، وهذه هي علاقة المشابهة التي تختص بالاستعارة، وما تقدم علاقة غير المشابهة التي تختص بالمجاز المرسل.

2 ـ انتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن

نحن في غنى عن القول بانتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن، فذلك أمر له دلائله وشواهده في القرآن العظيم، والسبب في هذا الذيوع وذلك الأنتشار، أن المجاز المرسل هو وسيلة العربية في إضافة المعاني الجديدة، وهو وسيلة اللغة في الإضاءة والتنوير، وهو طريق المبدعين في الإفاضة والبيان، وانتشار ذلك في القرآن دربة لأهل اللغة من وجه، ودليل على الإعجاز البياني من وجه آخر، ولعل في خصائص المجاز الفنية فيما سبق إشارة موحية بهذا الملحظ بالذات، ومعبرة عن هذا المدرك نفسه بما لا مزيد عليه.

وسترى في نماذج المجاز المرسل ووجوه علاقته في النقل عن الأصل اللغوي، كيف أن هذا المجاز قد تخطى حدود الدائرة اللغوية الى الدائرة الفنية، وكيف تجوز بالاتساع الى مناخ الغنى في المفردات والمعاني، وكيف استطاع فيه القرآن أن ينقل الذهن العربي الى أفق جديد، متمّيز بالابتكار ويمدّه بحياة لغوية ثانوية متسمة بالشمولية والإبداع.

كان سبيل هذه النظرات الصائبة هو المجاز اللغوي المرسل في

(1) يس: 37.

سلامة أدائه، ودقة تعبيره، واستقرار قاعدته في المسيرة البيانية واللغوية المتطورة.

إن استقراء ذيوع المجاز اللغوي المرسل، وسيرورة انتشاره في القرآن يمكن رصده بعدة ظواهر إيحائية، نرصد جزءا حيويا منها في هذا المبحث ويتكفل مبحث علاقة المجاز بالجزء الآخر منها. وهنا نقف عند ظاهرتين إيحائيتين تضيفان على اللفظ الجاري أكثر من معناه الأولي السائر في الأذهان؛ هاتان الظاهرتان تلتمسان باعتبارهما دلائل فنية على صدق الدعوى، وبرمجة الموضوع، تلك الدلائل لا تعدو كونها إمارات وعلامات وضعت في الطريق لمن أراد الهداية والاستزادة معا، وليست هي كل شيء، إذ جاءت على سبيل التمثيل لا سبيل الإحصاء والاستقصاء، لأنه أمر قد يتعذر الوصول اليه، أو الوقوف عليه، لبعد أغواره، وتجاوز أبعاده حد الاستيعاب.

وسيكون التماسنا لهاتين الظاهرتين مؤشرا بارزا على سيرورة المجاز اللغوي المرسل في القرآن، وذيوعه، ويقاس ـ حينئذ ـ عليه ما هو قريب اليه، إذ لا ضرورة لاتخام الموضوع بالإضافات التي قد يتوصل اليها الباحث بعد الإعلام.

الظاهرة الاولى: ـ وتتجلى أبعادها في رد المتشابه من الآيات الى المحكم منه، لحسم النزاع ورد الإشكال، ومعالجة النصوص في ضوء التعبير المجازي، فلا عنت ولا تعسف ولا غلو، ومن أمثلته الوقوف عند إزاغة القلوب المنسوبة الى الله تعالى في كل من قوله تعالى:

أ ـ (ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الوهاب *) (1)

ب ـ (فلمّا زاغوا ازاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) (2) فقد حملت الآية الأولى على ظاهرها إزاغة القلوب له سبحانه، بدعوى أنها إن لم تكن منه تعالى فما معنى الدعاء بأن لا يفعلها، وهذا ما لا يجوز عليه

(1) آل عمران: 8.

(2) الصف: 5.

سبحانه إلا على سبيل المجاز والاتساع، لأن الله تعالى لا يضل عن الأيمان، ولا يوقع في الضلالة والكفران، والنظر في هذا ملحوظ بعين القبح العقلي.

وقد نصت الآية الثانية: أن الله تعالى يزيغ من زاغ، ونسبته اليه ظاهرة.

حقا إن الاتساع في المجاز هو الذي يتجاوز هذه العقبات بيسر، ويدرأ هذه الشبهات بمرونة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت