على أن في المعاني لمسات بلاغية، وشذرات بيانية، ولكن رأينا أنه بالنحو ألصق. فإذا رأينا جملة من البلاغيين قد بحثوا المجاز اللغوي المرسل، وعددوا أصنافه، أشتاتا من مفردات علم المعاني، فهذا ما لا يتفق مع منهجنا.
لقد أطنب الزركشي (ت: 794 هـ) في ذكر جملة من الأصناف
(1) آل عمران: 107.
(2) ظ: المؤلف، علم المعاني بين الأصل النحوي والموروث البلاغي.
العديد للمجاز اللغوي المرسل، وادعى ورودها في كتاب الله (1) .
وقد تفنن ابن قيم الجوزية (ت: 751 هـ) فاعتبر خروج الخبر الى الإنشاء، والإنشاء الى الخبر، والتقديم والتأخير من المجاز، وهي مباحث علم المعاني (2) .
وقد عدّ التفتازاني (ت: 791 هـ) استعمال أدوات الاستفهام في غير الاستفهام من المجاز (3) .
وقد ذهب بهاء الدين السبكي (ت: 773 هـ) الى تداخل علم البيان وعلم المعاني في هذا الباب وعد بعض أنواع البديع كالمشاكلة والتورية والاستخدام من المجاز (4) .
وقد عدّ السيوطي (ت: 911 هـ) خروج الخبر الى الإنشاء، والإنشاء الى الخبر من المجاز، وأشار الى أن بعضهم يرى التقديم والتأخير والالتفات والتغليب من المجاز (5) .
هذه بعض معالم التوسع في علاقة المجاز اللغوي المرسل عند جملة من البلاغيين التقليديين، وهذا التوسع لم يعدم أن يجد له نصيرا عند طائفة من المحدثين، يقول الدكتور أحمد مطلوب:
«ونحن حينما نعيد تصنيف المجاز ينبغي أن ندخل فيه هذه المسائل، لأنها شديدة الصلة به، بل لأنها ألوان بديعة من فنونه، ونرى أن تدخل في المجاز المرسل، لأنه واسع الخطو فسيح المدى، وله علاقات كثيرة يمكن التوسع فيها» (6) .
ونحن نخالفه في هذا الرأي بنفس المنظار لديه، ولكن من وجهة نظر متقابلة، فنحن حينما نعيد تصنيف المجاز ينبغي أن نستبعد من هذه
(1) ظ: الزركشي، البرهان 2: 258 ـ 299.
(2) ابن قيم الجوزية، الفوائد: 82.
(3) التفتازاني، المطول: 235.
(4) السبكي، عروس الأفراح 1: 493.
(5) السيوطي، الأتقان في علوم القرآن: 2/ 36.
(6) أحمد مطلوب، فنون بلاغية: 120.
التقسيمات الأجنبية، وهذه التدقيقات الفلسفية لأنها بعلمي المنطق والفلسفة أولى، وحيما نريد أن نبني البلاغة العربية علينا التهذيب والتشذيب، لا الإضافات والزيادات، لتخامر البلاغة ذهنية العربي المعاصر، بدلا من هروبه عنها، لأن المراد هو التيسير، وأما كثرة الأصناف وتوالي التقسيمات، فمما يدعو الى التعقيد في نظر إنسان اليوم الذي يريد الزبدة التطبيقية والتنظيرية، لا الرسوم والتفريعات.
وفي هذا الضوء استبعدنا جملة من التخريجات المطولة للمجاز اللغوي المرسل في وجوه علاقاته، ناظرين الى هذا المدرك الذي يدعو الى صيانة البلاغة العربية من الإضافات المتكررة، أو الزيادات الوهمية.
على أننا لا نغالي إذا قلنا أن مجالات المجاز اللغوي المرسل تتسع الى مئات الأصناف والأنواع؛ لأنها ميدان العواطف في التجوز، ومضمار المشاعر في التنقل، وساحة اللغة في الأتساع، ومرونة العربية في التخطي من أفق الى افق، ولكن هذا لا يمانع من نفي الشوائب، وتحاشي الفضول، وغربلة التراث، والله المستعان.
«خاتمة المطاف»
بعد هذه الجولة المفعمة بالاهتمامات البلاغية الدقيقة في القرآن الكريم، ومن خلال هذه المسيرة المثيرة للاستنتاج والتطلع البياني المتطور، يمكن أن نشير بإيجاز كبير الى أهم ما توصلنا إليه من نتائج في أرقام:
(يُتْبَعُ)