وفي الآية (ج) عبر عن إرادة الإهلاك بالإهلاك تجوزا، وذلك بقرينة «فجاءها بأسنا» إذ لا معنى لوقوع الإهلاك، ومجيء البأس بعده، وإنما يأتي البأس فيحدث الإهلاك عنده، وإنما عبر عنه بالإهلاك رأسا، لأنه سبب الإرادة المقتضية للإهلاك، فكان ذلك من باب تسمية السبب باسم المسبب على ما يذهبون إليه.
5 ـ وفي كل من قوله تعالى:
أ ـ (وءاتوا اليتامى أموالهم) (1)
ب ـ (إنه من يأت ربّه مجرما) (2)
مجاز لغوي مرسل، أريد به تسمية الشيء باسم ما كان عليه، ففي الآية (أ) المراد باليتامى الذي كانوا يتامى، وإعطاء أموالهم وإيتاؤها إنما يكون بعد البلوغ، ولا يتم بعد البلوغ، فسماهم يتامى باعتبار ما كانوا عليه قبل البلوغ.
وفي الآية (ب) سمى هذا الإنسان مجرما لا في حالته تلك يوم القيامة، بل باعتبار ما كان عليه حاله في الحياة الدنيا من الإجرام، فنظر الى ما كان عليه في السابق، وأطلقه هنا تجوزا، وألا فالمجرم يوم القيامة ذليل متهافت واهن لا يقوى على التمتع يومئذ بأية صفة من صفات الإجرام الدنيوية كمظاهر الجبروت والطغيان والعناد والإصرار والقوة، بل وحتى إرادة المعصية صغيرة أو كبيرة، وما أشبه ذلك، إذ ليس هو هناك في مثل تلك الحال، وإنما نظر إليه في تعبير الإجرام باعتبار ما كان عليه من الإجرام في الدنيا.
(1) النساء: 2.
(2) طه: 74.
وقد يرد المجاز اللغوي المرسل بعكس هذا الملحظ، فينظر إليه باعتبار ما سيكون عليه، فيسمى باسم ما سيؤول إليه مستقبلا، كما في قوله تعالى:
(إني أراني أعصر خمرا *) (1) .
فالتجوز هنا في العصر بالنسبة الى الخمر، أو الخمر بالنسبة الى العصر، والخمر لا يعصر فهي سائل قد عصر وانتهي منه، وإنما العنب المتحول خمرا الذي يعصر، فإطلاق الخمر وإرادة العنب منه هنا، جاء على سبيل الاتساع، باعتبار ما سيؤول إليه العنب بعد العصر، وصيرورته خمرا.
6 ـ وفي كل من قوله تعالى:
أ ـ (فليدع ناديه *) (2)
ب ـ (وسئل القرية) (3)
ج ـ (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) (4)
مجاز لغوي مرسل، ذكر فيه لفظ المحل، وأريد به الحال فيه، وهو المعني بقول الخطيب القزويني (ت: 739 هـ) تسمية الحال باسم محله. (5)
ففي الآية (أ) تجوز بالدعوة للنادي، والمراد ـ والله أعلم ـ أهل النادي والحالين به والمجتمعين فيه من الوجوه والأعيان وسراة القوم، إذ لا تصح دعوة النادي لعدم قبوله الاستجابة والدعاء والتلبية أو الرفض، وإنما دعي أهله وأصحابه.
(1) يوسف: 36.
(2) العلق: 17.
(3) يوسف: 82.
(4) آل عمران: 167.
(5) القزويني، الإيضاح: 403 تحقيق الخفاجي.
وفي الآية (ب) تجوز بالسؤال للقرية، والمراد ـ والله أعلم ـ أهل القرية والساكنين فيها، إذ لا يصح سؤال الأبنية والجدران بل الأهل والسكان.
وفي الآية (ج) تجوز بإطلاق الأفواه لإرادة الألسن، لأن القول لا يصدر إلا عن اللسان، ولما كان موقع اللسان هو الفم، عبّر بالأفواه تجوزأ عن الألسن الحالة فيه.
وقد يرد المجاز اللغوي المرسل على عكس هذا الأمر، فيما ذكر فيه لفظ الحال وأريد به المحل، وذلك نحو قوله تعالى:
(وأمّا الّذين ابيّضّت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون *) (1) .
فقد تجوز بالرحمة وأراد بها الجنة، لأن الخلود إنما يتم فيها، ولما كانت الجنة محلا ومقاما للرحمة، والرحمة حالة بها، عبر عنها بما هو حال فيها، وهو الرحمة والمراد الجنة.
وهكذا تجد علاقة المجاز اللغوي المرسل متعددة، ووجوه ارتباطاته متشابكة، واكتفينا بهذا القدر الجامع في الإيراد، عما توسع به البلاغيون من الأصناف.
السبب في هذا أن البلاغيين قد أغاروا في جملة من الأصناف على علم المعاني كما نذهب إليه جزء لا يتجزأ من علم النحو العربي، أهمل النحاة جانبه، فأكد البلاغيون التقليديون صلته بالبلاغة (2) .
(يُتْبَعُ)