(1) الأنفال: 12.
(2) البقرة: 19.
(3) المائدة: 38.
(4) البقرة: 194.
(5) الشورى: 40.
ج ـ (ونبلوا أخباركم) (1)
نقف على حدود مجاز لغوي مرسل على الوجه الآتي:
ففي الآية (أ) أطلق الاعتداء على الجزاء، وواضح أن الاعتداء الثاني في الآية غير الاعتداء الأول، لأن الاعتداء الأول جرم، والثاني جزاء، وفرق بين الجرم والجزاء، فلا يراد به الاعتداء حقيقة بالمعنى الأول، بل المراد المجازاة فقط، إذ لا يأمر الله بالاعتداء قطعا، وإنما سمي كذلك لأنه مسبب عن الاعتداء الحقيقي، فكان التعبير عنه بالاعتداء مجازا لأنه حصل بسبب الاعتداء وإن كان جزاء في واقعه.
قال القزويني (ت: 739 هـ) «وإنما سمي جزاء الاعتداء اعتداءً لأنه مسبب عن الاعتداء» (2) .
في الآية (ب) عبّر سبحانه عن الاقتصاص بلفظ السيئة، والسيئة الثانية في الآية غير السيئة الأولى، لأن السيئة الأولى ذنب والسيئة الثانية مقاصة، وفرق بين الذنب والاقتصاص، إذن فليس الاقتصاص سيئة، ولكنه مسبب عنها، فسمي باسمها، وهذا المعنى هو المعني بقولهم: تسمية المسبب باسم السبب، وذلك بأن يطلق لفظ السبب ويراد به المسبب كما في الآية (جـ) إذ أطلق تجوزا اسم البلاء على العرفان، وليس البلاء عرفانا، ولكنه مسبب عنه، فكأنه تعالى قد أراد: ونعرف أخباركم، لأن البلاء الاختبار، وفي الاختبار حصول العرفان، فعبر رأسا عن العرفان بالبلاء كما هو ظاهر في الاستعمال عند العرب، فإنهم يقولون: رعينا الغيث، والغيث هو المطر، والمطر لا يرعى، ومرادهم النبات والأعشاب لأنه سببهما الغيث.
ويحمل على هذا قول عمرو بن كلثوم في معلقته (3) .
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
(1) محمد: 31.
(2) القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة: 400 تحقيق الخفاجي.
(3) ظ: الزوزني، شرح المعلقات السبع: 178.
فالجهل الأول جار على وجهه الحقيقي، والجهل الثاني محمول على الوجه المجازي، لأنه ناجم عن الجهل الأول، فعبر بالجهل مجازا عن مقابلة الجهل وصدّه، وليس صدّ الجهل جهلا بل هو مكافأة له.
وكذلك الحال فيما حمل عليه قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله) (1) من الاستعمال المجازي، إذا أريد به العقوبة، لأن المكر سببها، وقيل: «ويحتمل أن يكون مكر الله حقيقة، لأن المكر هو التدبير فيما يضر الخصم، وهذا محقق من الله تعالى، باستدارجه إياهم بنعمه مع ما أعدّ لهم من نقمة» (2) .
4 ـ وفي كل من قوله تعالى:
أ ـ (وينزل لكم من السّماء رزقا) (3)
ب ـ (إنّ الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّما يأكلون في بطونهم نارا) (4)
ج ـ (وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون *) (5)
نرصد مجازا لغويا مرسلا، أريد به عكس ما أريد في النوع السابق في علاقته، وهو المعني بقولهم: تسمية السبب باسم المسبب، وذلك بأن يطلق لفظ المسبب ويراد به السبب بالذات.
ففي الآية (أ) أطلق لفظ الرزق على الغيث أو المطر تجوزا، لأن الرزق لا ينزل من السماء بهيئته وكيفيته المركزية المتبادرة الى الذهن، وإنما ينزل الله المطر، ولما كان المطر سببا في الرزق عبر عنه سبحانه بالرزق باعتبار السببية.
وفي الآية (ب) عبر سبحانه عن أكل المال الحرام بأكل النار،
(1) آل عمران: 54.
(2) القزويني، الإيضاح: 400 تحقيق الخفاجي.
(3) غافر: 13.
(4) النساء: 10.
(5) الأعراف: 4.
باعتباره يكون سببا لدخول النار واستحقاقها، لا أنهم حقيقة يتناولون النار بالأكل، ولما كان أكل أموال اليتامى ظلما يسبب دخول النار كان التجوز بالتعبير عنه بالنار ناظرا الى هذه الحقيقة.
(يُتْبَعُ)