يتناسب ومناخ التدقيق المنطقي للقضايا العقلية، فهل ثمة من حاجة ملحّة الى تجديد هذا الأمر (1) .
أعتقد أن في طريق انتخاب النماذج القرآنية، واستيعاب أكبر أجزائها ـ دون هذه التسميات المخترعة ـ مندوحة عن الخوض في تقسيمات نود استبعاد المنهج البلاغي من ركابها، أو استدارته على عجلتها، ذلك ضمن حدود اجتهادية موجهة نحو الخلاصة المجدية، والمهمة البلاغية النقية من الشوائب بإذن الله تعالى.
1 ـ في كل من قوله تعالى:
أ ـ (قم اللّيل إلاّ قليلا *) (2)
ب ـ (لا تقم فيه أبدا) (3)
ج ـ (ويبقى وجه ربّك) (4)
د ـ (كلّ شيء هالك إلاّ وجهه) (5)
هـ ـ (فتحرير رقبه مومنة) (6)
و ـ (وجوه يومئِذ خاشعة * عاملة نّاصبة *) (7)
ز ـ (واضربوا منهم كلّ بنان) (8)
نتلمس عدة علاقات متينة السبب في هذه الآيات كافة، مما يدفع الى حملها على المجاز اللغوي المرسل، ولولا هذه العلاقات لكان الاستعمال
(1) ظ: المؤلف، الصورة الفنية في المثل القرآني: 162 وما بعدها.
(2) المزمل: 2.
(3) التوبة: 108.
(4) الرحمن: 27.
(5) القصص: 88.
(6) النساء: 92.
(7) الغاشية: 2 ـ 3.
(8) الأنفال: 12.
حقيقيا، فكشف علاقة كل مجاز هو دليل مجازية التعبير، ولو لم تدرك العلاقة، لما صح لنا التعبير عن هذا وذاك بالمجاز.
ففي قوله تعالى: (قم اللّيل إلاّ قليلا *) (1) وقوله تعالى: (لا تقم فيه أبدا) (2) ندرك ـ والله العالم ـ أن القيام في هذين الموضعين بحسب العلاقة والعائدية التعبيرية: هو الصلاة، كما هو منظور إليه في الاستعمال القرآني عند إطلاق لفظ القيام بمعنى الإقامة، إن دلالة الكلمة هنا تعطي معنى: صلّ، والعلاقة في ذلك كون القيام ركنا أساسيا، وجزءا مهما في الصلاة، فعبّر به لهذا الملحظ.
وفي قوله تعالى: (ويبقى وجه ربّك. . .) (3) وقوله تعالى: (هو كلّ شيء هالك إلاّ وجهه) (4) ، يبدو أن المراد بالوجه هنا الذات القدسية لله عز وجلّ، وإلا فليس لله وجه بالمعنى الحقيقي على جهة التجسيم والمكان والإحلال والعينية والمشاهدة، ولما كان الوجه هو ذلك الجزء الذي لا يستغنى عنه في الدلالة على كل ذات، عبر به هنا عن الذات الإلهية مجازا على طريق العرب في الاستعمال بإطلاق اسم الجزء وإرادة الكل.
وأن كان الأمر بالنسبة لقوله تعالى: (وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة *) (5) إذ المراد بذلك أجساد هؤلاء بقرينة العمل والنصب الذي تؤدي ضريبته الأجساد بتمامها، لا الوجوه وحدها، وإنما عبر عنها بالوجوه باعتبارها جزءا من الأجساد ودالا عليها.
وفي قوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة) (6) فإن المراد هو تحرير
(1) المزمل: 2.
(2) التوبة: 108.
(3) الرحمن: 27.
(4) القصص: 88.
(5) الغاشية: 2 ـ 3.
(6) النساء: 92.
الرجل المؤمن أو العبد المؤمن، ولما كانت الرقبة جزءا من هذا الكل، وكان الاستعمال جاريا على هذا السنن في القرآن وعند العرب، وذلك بدلالة الرقبة على النسمة، كان ذلك مجازا لهذه العلاقة.
وفي قوله تعالى: (واضربوا منهم كلّ بنان) (1) فإن المراد ضرب الأيدي بما فيها البنان والرسغ والمعصم، ولما كان البنان جزءا منها عبر به للدلالة عليها بهذه العلاقة.
وأمثال هذا كثير في التعبير القرآني، وهو باب متسع فيه.
2 ـ وفي كل من قوله تعالى:
أ ـ (يجعلون أصابعهم في ءاذانهم من) (2)
ب ـ (والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما) (3)
نلمس مجازا مرسلا، ولو تأملت فيه لوجدت علاقته عكسية بالنسبة للنماذج السابقة، لأن المراد بجعل الأصابع، هو وضع الأنامل في الآذان، وهو القدر الذي تستوعبه، وهي جزء من كلي الأصابع.
والمراد بالأيدي جزءا منها لا كليّها، لأن حدود القطع معروفة ومحددة عند الفقهاء، ولا تشمل كلي الأيدي، بل المقصود جزءا من هذه العلاقة كانت (أصابعهم) و (أيديهما) من الآيتين الكريمتين، على سبيل من المجاز اللغوي المرسل، وذلك بإطلاق اسم الكل على الجزء، وإرادة الجزء ذاته فحسب.
3 ـ وفي كل من قوله تعالى:
أ ـ (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (4)
ب ـ (وجزاؤا سيّئةٍ سيئةٌ مثلها) (5)
(يُتْبَعُ)