قال: (باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل إلى الله بصالح الأعمال) .
قال: [حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي - وهو من نسل المسيب المخزومي المدني محمد بن عبد الرحمن - قال: حدثني أنس -يعني: ابن عياض المدني أبا ضمرة - عن موسى بن عقبة عن نافع الفقيه عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بينما ثلاثة نفر يتمشون) ] والمقصود بالنفر هنا: الواحد.
يعني: ثلاثة أشخاص، وإن كان النفر في اللغة يطلق على العدد من ثلاثة إلى تسعة، وقيل غير ذلك.
[ (بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر -يعني: اضطرهم المطر؛ لأن يدخلوا في مكان يأوون إليه- فأووا إلى غار في جبل -أي: مكان مظلم في داخل جبل له فوهة- فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل) ] أي: وقعت صخرة كانت مهيأة للوقوع فوافق وقوعها فوهة الجبل فسدته تمامًا حتى أنهم لم يروا شيئًا من السماء ولا شيئًا من الضوء.
[ (فانطبقت عليهم -أي: فانطبقت على فم الغار- فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها) ] يعني: كل واحد منكم يتذكر أو يحاول أن يتذكر عملًا صالحًا قدمه لله عز وجل مخلصًا فيه غير مشرك به ليتوسل إلى الله عز وجل به أن يفرج عنا ما نحن فيه.
وهذا يفيد جواز التوسل بالعمل الصالح، وأنه ليس فيه شيء من الشرك.
وبعضهم قال: لا يفهم من الحديث جواز التوسل بالعمل الصالح؛ لأن كل واحد منهم قال: (يا رب! إن كنت تعلم أني عملت ذلك لك ففرج عنا ما نحن فيه) .
فكل واحد منهم لم يتوسل ولم يزك نفسه ولم يقطع بأن ما عمله صالحًا وإنما أرجع الأمر إلى الله عز وجل، فقال: (إن كنت تعلم يا رب أن هذا صالحًا ففرج عنا ما نحن فيه) فقال الذي يزعم أو ينكر التوسل بالعمل الصالح ليس في هذا الحديث حجة؛ لأنهم لم يقطعوا بصالح أعمالهم وإنما ذكروها فقط وأسندوا الأمر في صلاحها أو فسادها إلى الله عز وجل.
وقالوا: لو كان عملًا صالحًا ففرج عنا ما نحن فيه، وزعموا أنهم توسلوا بالدعاء لا بذات العمل الذي ذكروه، وإنما اتخذوه سببًا للتقرب إلى الله عز وجل، وإنما أصل القربة إنما كان ذلك في دعائهم.
وهذا على أية حال بعد وتكلف في رد ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من جواز التوسل بالعمل الصالح، أو الذي يغلب على ظن العامل أنه صالح، وكل إنسان أعلم برذائله، فكل إنسان يعمل عملًا صالحًا في الظاهر لكنه يوقن من نفسه أنه أخلص فيه لله أو أنه عمله رياءً وسمعة، فهؤلاء لما غلب على ظنهم أنهم عملوا هذا العمل لله عز وجل على الشرط الذي اشترطوه على أنفسهم: كل منكم ينظر في عمله، فمن عمل عملًا صالحًا خالصًا لله عز وجل فليذكره ليتوسل إلى الله به.
والشاهد على ذلك: أنهم لما ذكروا هذه الأعمال وتوسلوا إلى الله عز وجل بها فرجت عنهم الصخرة على الحقيقة وفي الواقع، وهذا يدل على جواز التوسل إلى الله بالعمل الصالح.
قال: (انظروا أعمالًا عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها) .
أي: بهذه الأعمال.
وهذا الحديث ورد في من كان قبلنا، ولذلك الذي ينكر التوسل بالعمل الصالح يقول: هذا الحديث ليس فيه حجة لما ذكرنا آنفًا، لأن هذا متعلق بمن كان قبلنا أو بشرع من كان قبلنا.
وهذه مسألة خلافية بين الأصوليين: هل شرع من كان قبلنا شرع لنا أم لا؟ والجمهور على أن شرع من كان قبلنا ليس شرعًا لنا، وبعض أهل العلم قالوا: بل هو شرع لنا ما لم يخالف.
وفي حقيقة الأمر: التوسل بصالح الأعمال في هذا الحديث لا علاقة له بشرع من قبلنا؛ لأن العبرة في هذا الحديث بسكوت النبي عليه الصلاة والسلام عنهم وإعجابه بهم، وهذا يدل على جواز الأمر واستحبابه لدى النبي عليه الصلاة والسلام، فنحن ما أخذنا الجواز من مجرد العمل أو الفعل ولكن أخذناه من مجرد الرواية التي رواها النبي عليه الصلاة والسلام عن الأمم السابقة وسكوته على ذلك وعدم الإنكار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام روى عن الأمم السابقة شيئًا وأنكره، وروى شيئًا وسكت عنه، وروى شيئًا واستحسنه، فهذا مما استحسنه النبي عليه الصلاة والسلام فكان شرعًا لنا لاستحسان النبي عليه الصلاة والسلام لا بمجرد عمل القوم له.
ولا يخفى للمتتبع لروايات هذا الحديث أن هؤلاء الثلاثة لم يذكروا على نسق واحد وترتيب واحد في كل الروايات، وإنما حصل تقديم وتأخير في الروايات، فصاحب الوالدين ذكر أولًا، ويذكر ثانيًا وثالثًا في رواية أخرى، وصاحب المرأة يذكر أولًا وثانيًا وثالثًا، وصاحب الأجير يذكر أولًا وثانيًا وثالثًا، وهذا يدل على أن الرواة إنما تصرفوا في هذا الحديث بالمعنى ليدل على جواز الرواية بالمعنى عند السلف رضي الله عنهم أجمعين.