قال العلماء في هذا الحديث: (جواز الكذب في الحرب) لأن الحرب خدعة، إذ إن حذيفة قال كلامًا لم يرد حقيقته.
أنتم تريدون أن تلحقوا بمحمد؟ قالوا: ما نريد محمدًا إنما نريد المدينة، وهم في حقيقة الأمر ما أرادوا إلا محمدًا عليه الصلاة والسلام، ولو كان محمدًا في الحبشة أو في الشام أو في مصر لذهبوا إليه دون قصد البلد، وإنما قصدوه هو وقصدوا اللحاق به.
فلما قالوا: ما نريد محمدًا.
فهذا في حقيقة الأمر كذب، لكنه من الكذب المباح؛ لأن الكذب أحيانًا يكون مباحًا، والغيبة أحيانًا تكون مباحة، كغيبة الفاسق المعلن فسقه فغيبته حينئذ ليست حرامًا، بل أحيانًا تكون واجبة، فلو أن امرأة سارت في طريق فيه قاطع طريق لقلنا لها: لا تسلكي هذا الطريق؛ لأن به فلان بن فلان وهو قاطع طريق.
وهذا في حقيقة الأمر غيبة، ولكنه حينما سلك هذا المسلك الدنيء وهو قطع الطريق، وأعلن هذه المعصية ونتج عنها إيذاء أقوام قد سبقوا ومروا بهذا الطريق؛ فلا بأس حينئذ من إعلان فسقه دون أن يكون ذلك في وجهه.
وكذلك تجوز الغيبة فيما يتعلق بالمصلحة العامة للمسلمين، وهو ما يسميه العلماء بالجرح والتعديل، تقول: فلان ضعيف.
فلان منكر.
فلان وضاع سراق.
فلان يسرق الحديث، فلان لا يساوي شيئًا في الرواية وغير ذلك كل هذا من باب الغيبة، لكنها من الغيبة الجائزة حفاظًا على المصلحة العامة وعبادة المسلمين إلى قيام الساعة، ولولا جواز الغيبة في هذا الباب لاختلط الحابل بالنابل واختلط الصحيح بالضعيف، وما استطاع أحد أن يميّز ما كان من الدين أصلًا وما كان عليه دخيلًا، فأجاز العلماء بالإجماع الغيبة فيما يتعلق بإثبات العدالة من نفسها، وكذلك الكذب فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (الحرب خدعة) فلو لم يكن إلا الكذب جاز.
والأولى من الكذب التعريض كما قال السلف: (إن في المعاريض مندوحة عن الكذب) .
ولا يصار إلى المعاريض إلا في أضيق الحدود، حتى لا يكون دين المرء كله معاريض، إذا علم عن إنسان أنه يستخدم المعاريض دائمًا فلا شك أنه تسقط هيبته وتسقط الثقة بكلامه؛ وذلك لأنني مضطر أمام سماع كلام هذا الشخص الذي علم عنه استخدام المعاريض دائمًا أن أسيء به الظن وأن أغربل كلامه غربلة: لعله يقصد كذا، ولعله يقصد كذا، ولعله يقصد كذا.
أما المعاريض فالأصل فيها ألا تستخدم إلا في أضيق نطاق، وكذلك الكذب يجوز لدفع وقوع الظلم، وإن كان بعض أهل العلم قال: بل الصدق منجاة.
فلو أنه دخل علي رجل مذعور مفزوع من ظالم أو طاغية يريد أن أستره في بيتي، فأتاني ذلك الظالم المعتدي الغاشم وقال: أعندك فلان؟ أفلان هنا؟ جاز لي أن أقول: ليس هنا.
وهذا في حقيقته كذب، لكنه لدفع المضرة الأعظم وهي إهراق دم امرئ مسلم بغير حق.
وثبت عن أحمد بن حنبل أنه عرض في فتنة خلق القرآن حينما دخل عنده رجل ممن كان على مذهبه وهو مذهب أهل السنة والجماعة ممن يقول بأن القرآن كلام الله ليس مخلوقًا، فلما تبعه أعوان السلطان في ذلك الزمان وكان المعتزلة ممن يقولون بخلاف قول أحمد رحمه الله فطرقوا عليه الباب.
قالوا: أعندك فلان؟ فأشار الإمام أحمد بسبابته في باطن كفه اليسرى وقال: فلان ليس هنا.
وهذا من باب المعاريض.
أي: ليس في كفه أو في يده.
وهذا استخدام للمعاريض للخروج قدر الإمكان من الكذب الصريح، لكن لو لم يكن من مخرج إلا الكذب في هذه المواطن لجاز الكذب؛ لأن الحرب خدعة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وكذلك الكذب في الصلح بين المتخاصمين، كل من الخصمين يقول في صاحبه ما لو بلغه لاشتد حنقه وغضبه عليه، ولكنك تسمع من هذا الخصم كلامًا في صاحبه فتذهب وتقول: لقد قال فيك صاحبك أجمل كلام وأطيب كلام، وهو يبجلك ويحترمك ويحبك ويثني عليك الخير كله وغير ذلك.
وعند تكرار ذلك يرق القلب، مع أن صاحبه ما قال شيئًا من ذلك، وهذا كذب صريح، لكن حينما كانت المصلحة منه أعظم من المفسدة لجأ الشرع إليها وأباح الكذب فيها.
وكذلك الكذب على الزوجة لدوام العشرة وإلف الحياة، تقول لها: أنت جميلة، وما رأيت أجمل منك.
وهي في حقيقة الأمر دميمة.
كذلك تقول لها: ما أحلى طعامك! وما أحلى نظامك! وهي في الحقيقة لا تعرف طريق النظام ألبتة ولا تصنع شيئًا، وتقدم لك طعامًا لو وضع أمام القطط والفئران لا يأكلونه، ومع هذا أنت لا تمل أن تثني على هذا الطعام، ولو صنعت لك المرأة أحلى طعام هي وأنت والناس جميعًا يشهدون بأنه أحلى طعام، ولكنك قلت من باب الافتراء: طعامكِ هذا ليس بجيد، لما نسيت ذلك ما بقيت.
فأنت تعلم أن المرأة دائمًا تحب أن تنتقد الرجل، فإذا كان هذا معلومًا لديك فلماذا تغضب طالما أنك تعرف أن الأصل عندها أن الناس يغشونك ويخدعونك إذا اشتريت منهم شيئًا؟