شروط إقامة الحد: فأول شرط منها: أن يكون عاقلًا، وهذا احتراز من الجنون، فلو أن مجنونًا وجد زجاجة خمر وشربها فإننا لا نقيم عليه حد السكر؛ لأنه غير مكلف؛ لزوال عقله، ويلحق به المعتوه عند كثير من أهل العلم.
الشرط الثاني: البلوغ، وهذا احتراز من الصبا، فلو شرب الصبي الصغير الذي لم يبلغ الخمر أو زنى لا يقام عليه الحد؛ فلا حد -مطلقًا- على الصغير، ولكن يمكن تعزيره؛ للتدريب والتعليم.
الشرط الثالث: الاختيار.
يعني: أشرب الخمر مختارًا لها مقبلًا عليها غير مكره، والإكراه له شروط، وأول شرط في الإكراه الشرعي الصحيح: أن يكون المكره قادرًا على تنفيذ ما أكره، كأن يهددك سلطان قوي وأنت على يقين أنه قادر على هذا التهديد، ولذلك الإمام مالك لما سئل: عن رجل أجبر على طلاق امرأته، قال: الطلاق ليس معتبرًا مع الإكراه، فكذلك إذا أجبرني السلطان على شرب الخمر وإلا أوقع بي كيت وكيت وكيت، ويبلغ ضرره فوق ضرر شرب الخمر، كأن يقول: إما أن تشرب الخمر أو أقتلك ويخرج أمامي سيفًا، وأنا على يقين أنه لا يتورع عن القتل، ولا يحاسبه أحد، فهذا مكره قادر على تنفيذ ما أكره، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) أو: (وما أكرهوا عليه) .
وإذا كان الإثم مرفوعًا مع الإكراه فمن باب أولى أن يرفع معه الحد.
يعني: إذا كان المرء بالإكراه غير آثم عند الله فمن باب أولى أن يرتفع عنه الحد في الدنيا.
وكذلك حالة الاضطرار، أنتم تعلمون أن الخمر يقوم مقام الماء أحيانًا، كما أن الخنزير يقوم مقام الطعام أحيانًا، فلو أن شخصًا عطش وليس أمامه إلا الخمر فإما أن يشرب الخمر وإما أن يهلك عطشًا ويموت، فإنه يجب عليه أن يشربها، وإلا مات منتحرًا، لكنه يشرب منها ما يسد الرمق أو يبل الريق.
يعني: لا يشرب حتى يروى؛ لأن شرب الخمر استثنائي والاستثناء يقدر بقدره، فشارب الخمر في حال الاضطرار لا يقام عليه الحد.
الشرط الرابع: العلم.
أن يعلم الشارب أنه يشرب خمرًا، فلو أن شخصًا قال لك: تفضل.
اشرب هذا المشروب الغازي، وإذا بالذي داخل الزجاجة هو خمر، وأنت لا تعرف الخمر ولا تعرف طمعها، فلما شربتها سكرت؛ لأنها كانت خمرًا؛ والشركة تصنع الخمر وتصنع المشروب الغازي وحصل خطأ في العبوات، فوضعت زجاجات المشروب الغازي بدلًا من زجاجات الخمر، ووضعت زجاجات الخمر بدلًا من زجاجات المشروب الغازي، فهل يقام عليك الحد حينئذٍ؟ لا يقام عليك الحد.
وإذا تناول من الشراب ما هو مختلف في كونه خمرًا بين الفقهاء فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأن للخلاف شبهة.
إذا كان أهل العلم اختلفوا في مسألة على قولين أو أكثر، ومدار اختلافهم على فهم الدليل فالأصل احترام رأي الآخر، وإن كنت مخالفًا؛ لأنك في الحقيقة لست صاحب الحق البحت؛ لأن الدليل واحد، والكل يفهمه فهمًا يختلف عن فهم الآخرين، فبالتالي لا ينبغي للإنسان أن يعتبر أن فهمه لهذا الدليل هو أصح الأفهام.
هذا إذا كان الخلاف معتبرًا.
أما إذا كان الخلاف غير معتبر فإنه لا عبرة بمن خالف الدليل.
قال: (الحد على من تناول الخمر وهو غير عالم بالتحريم إذا كان في دار الحرب أو قريب عهد بالإسلام) .
مثال ذلك: شخص في أمريكا أسلم وكان يشرب الخمر قبل الإسلام وشربها بعد الإسلام.
هل يقام عليه الحد؟
الجوابلا يقام عليه الحد؛ لأنه قريب عهد بإسلام وهو في ديار كفر، فلا يقام عليه الحد؛ لجهله بالتحريم.
وقد نقلت إليكم ذات مرة أننا التقينا بامرأة أسلمت حديثًا في إحدى الولايات وهي باقية على الزنا، كل ما فيها أنها تعد الزنا فعلًا قبيحًا لكن لا علم لها بالتحريم، فهي نفسيًا ليست مطمئنة للفعل، لكن لا تعلم بتحريمه في الشرع، وفوجئت بالتحريم لأول مرة لما وقفنا نتكلم معها.