فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 2103

لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نافع جدًا في هذا الحديث تكلم فيه عن التكفير والتفسيق والتبديع، فأراد أن يفرق بين الوعد والوعيد من جهة، والفارق الجوهري بين أن يقع العبد في الكفر وهو لا يقصد الكفر، والفرق بين الحكم العام والحكم الخاص، وضرب لذلك مثلًا بقضية خلق القرآن، ومعلوم قول أحمد بن حنبل: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، ومع هذا وجد في زمانه من الأعيان ومن المعتزلة من قال بذلك، ولم يكفر القائل بذلك؛ لأن الكفر لا يكون إلا بتحقق شروط وانتفاء موانع، ففرق جوهري بين القائل وبين القول، فالقول قول كفر بلا شك، أما القائل فكونه يكفر أو لا يكفر مسألة تحتاج إلى تدبر وتفكر وتمحص واختبار لهذا القائل، وإقامة الحجة عليه: هل هو جاهل أو غافل أو ناسي أو سكران؟ وغير ذلك من الموانع التي منعت من إلحاق حكم الكفر بالقائل، وهذا لا يؤثر على كون هذا القول كفرًا بواحًا، ولذلك ربما يصدر قولًا أو ترى عملًا هو في أصله مخالف للشرع مخالفة تؤدي إلى الكفر، أو تؤدي إلى البدعة، أو تؤدي إلى التفسيق، لكن لا يكون فاعل هذا الفعل كافرًا، ولا مبتدعًا، ولا فاسقًا؛ لأنه يتصور أن عمله هو دين الله الذي نزل من السماء، فتصور أن البدعة سنة، ويحرص عليها أكثر من حرصه على السنة الصحيحة؛ لاعتقاده أن هذه هي سنة، وأن هذا هو دين الله تعالى، فلا يكفر ولا يبدع ولا يفسق؛ لجهله، ولغفلته، ولنسيانه، وللإكراه الذي وقع عليه.

هذا هو ما دندن حوله شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول رحمه الله: مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحدًا قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي أو غير حنبلي، ولا انتصرت لذلك ولا أذكره في كلامي، بل لا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة، وقد قلت لهم غير مرة: أنا أمهل من يخالفني ثلاث سنين، إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته، فأنا أقر بذلك، وما أذكره إنما هو عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم، وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف، مع أني دائمًا من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها يكون كافرًا تارة، أو فاسقًا أخرى، أو عاصيًا ثالثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت