السؤالحديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله أو لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة) ، هل يستدل به على أن النميمة ليست من الكبائر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (وما يعذبان في كبير) ؟
الجوابالأخ السائل عند أن نقل الحديث نقله بشكل صحيح، وعند أن سأل سأل خطأ، فقوله: (إنهما ليعذبان) ، بلام التوكيد، يؤكد أنهما يعذبان، وقوله: (وما يعذبان في كبير) ، أي: وما أوردهما هذا العذاب عظيم تكليف وقع عليهما، وإنما هو أمر يسير إتيان وترك، الإتيان متمثل في أن هذا الرجل الذي كان يبول لا يتطهر من بوله، والتطهر من البول أمر يسير، يعني: الأمر الذي هو سبب عذابهما ليس أمرًا يشق عليهما، بل هو أمر يسير جدًا، وبسبب تفريطهما في هذا اليسير عذبا: (أما أحدهما: فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر: فكان يمشي بين الناس بالنميمة) ، والمطلوب هنا الترك، وترك المعاصي في مقدور كل إنسان، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم) ، إذًا: الطاعة على قدر الاستطاعة فلو قال لك رجل: قف في صلاتك، لابد أن تقف، فإذا عجزت عن الوقوف لمرض أو علة صل جالسًا أو على جنب أو إيماءً، مع أن القيام في الصلاة من واجبات وفرائض الصلاة، فلا تصح صلاتك الفرض وأنت قادر على القيام إذا صليت جالسًا، فالذي يصلي الفرض جالسًا مع قدرته على القيام لابد له من إعادة الصلاة؛ لأنها باطلة، بخلاف النافلة إذا صلى جالسًا مع قدرته على القيام فلا حرج عليه، ولكنه على قدر النصف من صلاة القائم؛ لأنه جلس بغير علة ولا عذر.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) ، لم يقل: فاجتنبوا منه ما استطعتم، وهذا يدل على أن جانب الترك والنهي في مقدور كل مكلف، نهاك عن الزنا والخمر واللعب بالنردشير وكل هذا في مقدورك، ونهاك عن النميمة، وهي في مقدورك وهو أمر بسيط جدًا، أنا ما لي وشأن الناس، يعني: إنك عندما تغلب في الإصلاح بين الناس ليس لك علاقة فيما بينهم، إذا لم يكن عندك طيب الكلام والصلح بين الناس ولو بالكذب المباح فلا أقل من أنك تدع الناس وشأنهم، فترك النميمة أمر في إمكانك وأمر في مقدورك، فلما ولجته مخالفًا لنهيه عليه الصلاة والسلام، مرتكبًا لهذه الحرمة استحققت عذاب الله عز وجل، والذين صنفوا في الكبائر أوردوا الغيبة والنميمة في الكبائر، وهو محل إجماع عند أهل العلم: أن الغيبة والنميمة من كبائر الذنوب.