قال: [ (ثم إن المشركين راسلونا الصلح) ] أي: أرسلوا إلينا طلبًا في الصلح.
قال: [ (حتى مشى بعضنا في بعض) ] يعني: اصطلحنا بالفعل واختلط بعضنا ببعض فقد اتفقوا معنا على العهد والميثاق والصلح المشروط، أن يأمن كل منا صاحبه وألا يغدر أحد منا بصاحبه وغير ذلك.
وتاريخ الإسلام لم يثبت قط أن أحدًا من المسلمين أو من خلفاء الإسلام غدر في عهده وميثاقه بأهل الكتاب ولا بالمشركين، وإنما الغدر كان دائمًا في اليهود، فهم قوم غُدر.
قال: [ (ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا، وكنت تبيعًا لـ طلحة بن عبيد الله -تبيعًا أي: خادمًا- أسقي فرسه وأحسه وأخدمه، وآكل من طعامه) ] (أحسّه) أي: أمسح ظهر الفرس بالمحسة، والتي يسميها الفلاحون الآن المجسّة، وهي: شيء مثل الحديد يمسح بها ظهر الفرس.
قال: [ (وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله) ] أعظم الأعمال الهجرة إلى الله تعالى ورسوله.
قال: [ (فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض -أي: في صلح الحديبية- أتيت شجرة فكسحت شوكها) ] أي: مسحت ما تحتها من شوك ثم نمت تحتها.
قال:[(فاضطجعت في أصلها.
قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: يتناولونه بالسب أو الشتم أو التنقّص وهم مشركون- فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى)]، وقد يكون هذا السب والشتم في أصل عقد الصلح ناقضًا للصلح، وربما لا يكون كذلك، وربما سب المسلمون المشركين وشتموهم، وليس هذا بغدر ولا نقض للعهد والميثاق.
قال: [ (فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلّقوا سلاحهم واضطجعوا) ] هم أيضًا علّقوا أسلحتهم في الشجرة وناموا تحتها.
قال: [ (فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قُتل ابن زنيم -وهو أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- قال: فاخترطت سيفي -أي: سللته وأخرجته من غمده- ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود) ] (شددت) أي: أتيتهم وفزّعتهم حتى قاموا.
قال: (فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًا في يدي) (ضغثًا) أي: حزمة، أخذ سلاح الأربعة ووضعه في يد واحدة وفي يده الأخرى سلاحه، وكان هذا شيئًا عجيبًا، فـ سلمة بن الأكوع بايع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فلما نزل الكوفة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام قال أهل الكوفة: يا سلمة! ناولنا يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم نقبلها.
قال الراوي: فناولني يده فوضعتها في يدي فإذا بها كخف البعير، وليس بعظيم أن يأخذ سلاح الأربعة ويضعه في يد واحدة، هذا علي بن أبي طالب خلع باب حصن في غزوة خيبر اتخذه اليهود ليتحصنوا به ضد المسلمين، ووضعه في يده اليسرى، واتخذه درعًا في أثناء القتال، أي: يتفادى الأسهم بباب الحصن بيده اليسرى ويضرب بيده اليمنى، أي: أن هؤلاء كأنهم خلقوا ثم ماتوا، ولا يمكن أن يكرر هذا مرة أخرى، لكن -الحمد لله- الأمة فيها خير كثير بإذن الله تعالى.
قال[(فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًا في يدي -أي: حزمة- ثم قلت: والذي كرم وجه محمد عليه الصلاة والسلام لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه -أي: ضربت عنقه- قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات -وهم قوم من قريش، كانت أمهم تسمى عبلة بنت عبيد - يقال له: مكرز، يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف -أي: فرس مجهّز عليه سرجه- في سبعين من المشركين)]أي: أنه جاء بـ مكرز ومعه كذلك سبعون آخرون.
قال: [ (فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوهم) ] .
وكلمة (دعوهم) تُغضب الصحابة، خاصة خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب، وكذلك سلمة بن الأكوع لا يمكن أن ينسى أن هؤلاء الأربعة شتموا النبي عليه الصلاة والسلام فكيف يدعونهم؟ قال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) أي: خلوا سبيلهم وليعلموا أنهم نقضوا العهد أولًا وآخرًا، فهم الذين نقضوا العهد مرتين، مرة في أول العهد ومرة في آخر العهد، فسبّوا وشتموا ثم غدروا أكثر من ذلك.
قال: [(دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح:24] .
قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة)]، وفي رحلة العودة إلى المدينة سيتعامل النبي صلى الله عليه وسلم فيها مرة أخرى مع اليهود.
قال: [(فنزلنا منزلًا -وهم في طريق عودت