قال: (قوله:(إن تقتل تقتل ذا دم) -أي: صاحب دم- اختلفوا في معناه، فقال القاضي عياض في المشارق وأشار إليه في شرح مسلم: معناه: إن تقتل تقتل صاحب دم لدمه موقع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره.
أي: لرياسته وفضيلته).
أي: إذا أردت قتلي يا محمد! فاقتلني فلست خائفًا، ولكن لا بد أن تعلم أن ورائي رجالًا يثأرون لدمي، ويأخذون بدمي ولا يدعونه هدرًا، فإني رئيس ولي فضيلة في قومي.
قال:(وحذف هذا المفهوم من النص؛ لأنه مفهوم في عرف العرب وفي عرف المتكلم والسامع.
وقال آخرون: معناه: تقتل من عليه دم ومطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك في قتله).
يريد أن يقول: أنا مطلوب دمي.
أي: شيء جيد أنك أسرتني، فإذا قتلتني فأنت تريحني؛ لأن هناك أناسًا خلفك قتلت لهم قتيلًا وهم يطلبون دم قتيلهم، ولو أدركوني لقتلوني، فأنا في كل الأحوال سأُقتل إذًا: فاقتلني.
قال: (وفي رواية عند أبي داود (وإن تقتل تقتل ذا ذم -وليس ذا دم- أي: ذا ذمام وحرية في قومه، ومن إذا عقد ذمة وفى بها.
قال القاضي: (هذه الرواية ضعيفة؛ لأنها تقلب المعنى) .
وأرجح الأقوال أنها مصحفة، فإن من له حرمة لا يستوجب القتل.
قال: (ويقول القاضي: ويمكن أن تكون صحيحة على معنى التفسير الأول، أي: يقتل رجلًا جليلًا يحتفل قاتله بقتله، بخلاف ما إذا قتل ضعيفًا مهينًا فإنه لا فضيلة في قتله ولا يدرك به قاتله ثأره) .
أي: يمكن أن تكون هذه الرواية صحيحة: (إن تقتل تقتل ذا ذم) بالذال على معنى: أنه صاحب شرف في قومه، فلو كان ضعيفًا هزيلًا لا قيمة له، فلا فضيلة في قتله، إنما الفضيلة في قتل الشريف؛ ولذلك في الحروب الآن يُقتل أناس كثيرون بالمئات والآلاف، وربما لم نعرف لهم أسماء ولا أنساب ولا بلاد ولا أهل ولا جيران وغير ذلك، لكن لو قُتل عظيم شريف يُشار إليه بالبنان لكان قتله ذا شأن.
ولذلك فنحن نفرح حين يُقتل صنديد كبير من صناديد الكفر أو يؤسر، خلاف فرحنا بأسر ألف واحد، فأسر ألف واحد لا يساوون أسر كبير من كبرائهم.