قال: [ (أو ولد صالح يدعو له) ] كلمة وجيزة فيها قيود.
القيد الأول: أن الولد ينفع أباه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن أطيب كسب أحدكم من يده، وولده من كسبه) ، فالرجل ينتفع بولده كما ينتفع الولد بأبيه، وأنتم تعلمون قصة الكنز الذي كان تحت الجدار في سورة الكهف: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف:82] وهو الجد السابع، فبسبب صلاح الآباء انتفع الأبناء من الدرجة السابعة.
قوله: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف:82] أي: وكان جدهما السابع صالحًا، فانتفع الحفيدان في المرتبة السابعة بصلاح أبيهما أو صلاح جدهما، فكما ينتفع الوالد بولده، فكذلك ينتفع الولد بأبيه، لكن هنا بيَّن أن مناط النفع هو صلاح الولد، قال: (أو ولد صالح) فقيده بالصلاح، وهذا يدل على أن الولد الفاسد العاق العاصي لا يساوي فلسًا في ميزان الشرع، ولا ينتفع به أبواه لا في حياتهم ولا بعد وفاتهم، بل ربما يكون هو مصدر للشقاء والتعاسة دومًا في حياتهما؛ ولذلك من الإيمان المطلق والتسليم التام لله عز وجل عند من لم يرزق الأولاد أن يسلم لله، ويفترض أنه لو رزق ولدًا غير صالح، وتاركًا للصلاة والصيام وغير ذلك، هل كان يسعد الأب بهذا الولد إذا أطلعه الله عز وجل على حاله الآن؟ لا يمكن أبدًا، بل كثير من الأولاد في هذا الزمان مصدر شقاء وتعاسة للوالدين، ولو علم الوالدان من أمرهما هذا قبل وقوعه لتمنيا أن لم يجتمعا أو أنهما حرما الإنجاب؛ ولذلك أمر الشرع في غير ما آية وحديث، وأكثر السلف الصالح بالاحتياط والحض على تربية الأبناء تربية صالحة.
فقد ثبت أن عمر رضي الله عنه أدَّب أبًا عق ولده قبل أن يعقه ذلك الولد، بأنه لم يختر له أمًا صالحة، ولم يحسن اسمه، ولم يعلمه القرآن، ولم يعلمه شيئًا من السنة، وكان الوالد قد أتى إلى عمر ليشتكي عقوق ولده، فلما أتاه الولد قال: سله يا أمير المؤمنين أليس للولد على والده حقوقًا؟ قال: بلى.
قال: لم يفعل من ذلك شيئًا، إنما اختار لي أمًا -في رواية: زانية-، وفي رواية: اختار لي أمًا سيئة الخلق، ومعنى (سيئة الخلق) أي: زانية، وصاحبة سمعة سيئة، فهي متهمة في عرضها.
قال: ولم يعلمني القرآن، وسماني كذا.
وذكر اسمًا لا يتناسب مع بني آدم، إنما يتناسب مع الحيوانات، فقال عمر لأبية: عققت ولدك قبل أن يعقك.
قال: (أو ولد صالح يدعو) لو كان الولد صالحًا ولم يدع لوالديه، هل ينتفع به والداه؟
الجوابربما ينتفعان، وربما كان النفع قليلًا، فإذا كان الولد صالحًا فصلاحه ينفعه هو، لكن إذا كان صالحًا ودعا فإنه يتعدى صلاحه لوالديه، ولذلك قال: (أو ولد صالح يدعو) ولم يقل: ولد صالح فقط، وفي هذا فضيلة الدعاء للوالدين وصلة الأرحام، وبر الوالدين حيين وميتين.
والصدقة في الحقيقة من عموم الدعاء، والصدقة مأخوذة من أدلة أخرى، فإذا كنت تريد نصًا في الصدقات فيؤخذ من نصوص أخرى ذكرناها الآن: (أفله أجر إن تصدقت عنه؟ قال: نعم) ، (أفلي أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) ، فهذا من باب إثبات أن الصدقة تنفعه، وأن الدعاء كذلك من الولد الصالح ينفع، والولد الفاسد لا يذكر أبويه بدعوة في الغالب، لأنهما ليسا على باله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الدعاء هو العبادة) ، ويقصد به: الدعاء تعبدًا أو الدعاء طلبًا، يعني: إما أن يدعو الإنسان الله عز وجل تعبدًا لا يأخذ به شيئًا، أو أنه يدعو الله تعالى لجلب نفع أو لرفع ضر، فالدعاء إما أن يكون محض عبادة لله، كما كان الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين، أو دعاء يطلب به حاجة أو يرفع به مضرة.
والدعاء هو العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام، خلافًا للفظ: (الدعاء مخ للعبادة) فإنه لفظ ضعيف، وأبلغ منه: (الدعاء هو العبادة) أي: جعل الدعاء نفس العبادة وعينها، فالعبادة هي الدعاء، والدعاء هو العبادة، فلا فرق بين هذا ولا هذا؛ لأنهما اثنان لمسمى واحد.
فإذا كان الولد فاسدًا فهو أبعد الناس عن العبادة، إذ إن العاصي لا سبيل له إلى العبادة، وبالتالي لا سبيل له إلى الفلاح، فهو تارك للعبادة من أساسها، وإذا كان الدعاء هو العبادة فهو تارك له كذلك، فالولد الصالح إذا مات أبوه تراه يذهب في كل واد، ويطلب من فلان أن يدعو لأبيه، ويطلب من علان أن يشارك في جنازة أبيه، وأن يمكن أهل الصلاح من حضور الجنازة، فتشعر فعلًا بأن قلبه يحترق، ويحاول أن يجمع الإخوة بقدر الإمكان من هنا ومن هناك، ويأتي المساجد ويجمع الموحدين، ويجمع الإخوة الطيبين وطلاب العلم وأصحاب التقوى، ويقول: لعله يخرج من هؤلاء أربعون موحدًا يشفعون فيه، بخلاف العاق الذي لم يكن لديه علم بالمساجد نهائيًا، أبوه وأمه يموتان في وقت واحد، فيقال: سندفنهم الساعة السابعة، فيقول: متى دفنتم دفنتم! فهذا هو الفاسق أو ا