ثم قال: [ (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارًا) ] .
أي: لما رأى من كفار قريش إدبارًا وإعراضًا وجحودًا، بل واستهزاءً بهذه الدعوة، وسبًا لصاحبها عليه الصلاة والسلام بقولهم: إنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مجنون، فلما رأى منهم ذلك [قال: (اللهم سبع كسبع يوسف) ] .
أي: أرسل على قريش سبع سنين جدب وقحط يهلكوا فيها كما هلك أهل مصر في زمن يوسف عليه السلام بهذه السبع السنوات العجاف القحط.
قال: [ (فأخذتهم سنة حصت كل شيء) ] ، فدعاء الأنبياء مستجاب، والسنة بمعنى: الجدب والقحط، وحصت كل شيء أي: استأصلت كل شيء، لم يعد عندهم خير حتى كانوا يأكلون أبعار البهائم، ويأكلون العظام والخشب، ويأكلون جلود الأسماك إذا جفت، وهذا من شدة ما نزل بهم من قحط وجدب، حتى أكلوا التراب الذي تحت أرجلهم.
قال: [ (فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان) ] أي: ينظر أحدهم إلى السماء فمن فرط الجهد والتعب والجوع يرون وكأن السماء قد امتلأت دخانًا، وهي ليست كذلك.
ولذلك جاء في الرواية أنه قال: (فيرى كهيئة الدخان) ولم يقل: رأى الدخان، يعني: يخيل إلى أحدهم أن السحابة التي فوقه هي عبارة عن دخان، وهذا أمر يراه الواحد منا إذا جهد وتعب تعبًا شديدًا وشق ذلك عليه، فإذا نظر إلى السماء ربما يرى الأمر كما نقول نحن: خمسات وعشرات.
فكان ينظر أحدهم إلى السماء وكأنها مليئة بالدخان، فهذه الحالة إنما أصابت قريشًا بسبب الجهد والجوع الذي نزل بهم، وليس بلازم أن هذا التخيل والتهيء والتصور الذي يراه أحدهم وهو الدخان في السماء أن تكون السماء فيها دخان حقيقة.
قال: [ (فأتاه أبو سفيان -وكان كافرًا في ذلك الوقت- فقال: يا محمد! إنك جئت تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم -أي: فادع الله أن يمطر السماء عليهم- قال الله عز وجل: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان:11 - 12] إلى قوله: {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان:15] ، أفيكشف عذاب الآخرة؟) ].
أي: أن عبد الله بن مسعود يسألهم سؤال استنكار فيقول لهم: إن الدخان هذا ليس دخان الآخرة، وإنما هو الدخان الذي أصاب قريشًا، بدليل قول الله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} [الدخان:16] : {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان:11] .
وهذا يشمل جميع الناس ولا يشمل واحدًا بعينه، فيقول: لا يمكن في يوم القيامة إذا أنزل الله عذابًا أن يكشفه، والآية أثبتت أنه يكشف العذاب قليلًا، فهذا لا يكون يوم القيامة، وإنما هذا يدل على أن الدخان الذي أصاب قريشًا هو المعني في سورة الدخان.
قال: [ {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} [الدخان:16] ، فالبطشة الكبرى يوم بدر، قال: وقد مرت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم].
واللزام هو ملازمة العذاب للكافرين، وآية الروم هي آية غلبت الروم.