وقد ذكر البخاري في صحيحه والترمذي وغيرهما أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، أما الفاجر فإنه لا يرى ذنوبه إلا كذبابة وقعت على أنفه فقال بها هكذا) .
فهذا يدل على أن المؤمن دائمًا قلبه حي، فإذا وقع في الذنب الصغير تجده يتصور أن هذا الذنب جبل يخاف أن يسقط عليه فيدكه دكًا، أما الفاجر فيرى ذنبه كأنه لم يكن، أو كأنه لا شيء، وشبهه بذبابة وقعت على أنفه فقال بيده هكذا، يعني: أشار إليها بكفه فطارت، ولذلك المؤمن إذا وقع في الذنب أحدث له فورًا توبة وندمًا، وتفطر قلبه وتصدع وعاش في هم وغم وكدر، أما الفاجر فيقول: إن رحمة الله وسعت كل شيء، ويذهب يحتج بكل آيات وأحاديث الرجاء، بينما العبد المؤمن الصالح الطائع يضع نصب عينيه آيات وأحاديث الخوف، وآيات وأحاديث الرجاء، فإذا نظر إلى آيات وأحاديث الخوف حمله ذلك على مزيد الطاعة، وإذا نظر إلى أحاديث الرجاء حمله ذلك على الإكثار من النوافل لرجاء المغفرة، ولذلك هناك فرق كبير جدًا بين الرجاء وبين التوكل، فالرجاء لا يكون إلا بعد العمل، فيعمل أولًا ثم يرجو الله تعالى، لكن أن يكون قائمًا على المعصية ويقول: إني لأرجو رحمة الله تعالى! فهذا حمق وليس دينًا، ولذلك عندما تلت عائشة رضي الله عنه قول الله تعالى: ( {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60] ، قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني، والسارق يسرق، ويخافون ألا يتقبل منهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا يا ابنة الصديق! إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة وجهاد، وفي رواية: وحج، ويخافون ألا يتقبل منهم) .
يعني: أنهم قد حققوا العمل أولًا، ثم دفعهم الخوف ألا يقبل ذلك منهم، وهذا هو الخوف المعتدل الذي يحملك على زيادة الطاعة، أما إذا حملك الطمع في رحمة الله عز وجل على الوقوع في معصيته فليس هذا من باب الرجاء الممدوح.