قال: (قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي رحمه الله في كتابه التحرير في شرح صحيح مسلم: الإيمان في اللغة هو التصديق، فإن عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص) ، أي: أن الأصبهاني يقول: إن كانوا يزعمون أن الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص هو مجرد التصديق فنحن نوافقهم على هذا.
والصواب: أنه حتى لو كان الإيمان هو التصديق فهو أيضًا يزيد وينقص؛ لأننا نقول: إن إيمان أبي بكر أفضل من إيمان عمر بن الخطاب، وإيمان عمر أفضل من إيمان عثمان، وإيمان عثمان أفضل من إيمان علي، وهكذا الناس يتفاضلون، والأنبياء أعظم تصديقًا من غيرهم من الناس ومن الأتباع، فإذا كان الإيمان هو مجرد التصديق فإنه كذلك يزيد وينقص.
يقول: (لأن التصديق ليس شيئًا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى) .
ونقول: صحيح أنه لا يلزم منه أن يتجزأ، ولكن يلزم منه الكمال وغير الكمال، ويلزم منه الأدنى والأعلى، وأنت تمر بهذا في حياتك اليومية، فإذا حدثك رجل ثقة عندك بخبر من الأخبار فإنك تصدقه، فإن أتاك آخر وشهد بهذا الخبر عندك ازداد تصديقك، فإن أتاك جماعة كبيرة بلغ عندك درجة اليقين، ولذلك هناك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وهذه مسائل معلومة، فالتصديق أيضًا على مراتب، فإن الرجل الذي آمن بالله ربًا، وآمن بأن في يده الجزاء والعقاب، والثواب والحسنات، وأراد الإقدام على معصية ثم استشعر وجود الله عز وجل ومراقبته فإن ذلك يمنعه من اقتراف المعصية، والرجل الذي هو مصدق بوجود الله وبالإيمان به عز وجل وغير ذلك ولكنه غافل فإنه يقدم على المعصية.
فالإيمان إذا كان بمعنى التصديق فإنه أيضًا يزيد وينقص.
وإبراهيم عليه السلام قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة:260] وقد كان مصدقًا بالله عز وجل، وبأن الله تعالى يبعث الميت بعد أن يموت، وكان مؤمنًا بالله عز وجل حق الإيمان، ولكنه أراد مزيدًا على ما عنده من الإيمان.
وهذا أيضًا مما يستدل به على زيادة الإيمان سواء في حقيقته الشرعية أو في أصله اللغوي.
فقال له ربه: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} [البقرة:260] ، أي: أولم تصدق بوعدي؟ {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] .
ومعنى: (( لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) )أي: بزيادة الإيمان لا بأصل الإيمان، ولو قلنا: إن الإيمان ليس إلا مرتبة واحدة لكان هذا طعنًا في إبراهيم عليه السلام، وحاشاه أن يشك في ربه عز وجل.
قال: (والإيمان في لسان الشرع: هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقصان) ؛ لأن الأعمال هنا تدخل في مسمى الإيمان، فإذا ازداد المرء من الأعمال الصالحة وأعمال الطاعات زاد إيمانه، وإذا نقص منها نقص إيمانه.
قال: (وهذا مذهب أهل السنة) .