اتفق أهل العلم على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وهذا الوجوب أظن أنه يتفق مع العقل فضلًا عن النقل.
ولذلك يقول أهل العلم: إن الإقلاع عن الذنب، أو عن جميع الذنوب واجب بالشرع، يعني: أنه قد جاءت الآيات والأحاديث، وإجماع الأمة، وقياس أهل العلم -وهذه هي المصادر الشرعية الأربعة- على وجوب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي.
ولذلك العلماء إذا أرادوا أن يعبروا عن أمر أو يلحقوا أمرًا بأدلته وقالوا: أدلته الشرعية أو النقلية، أو السمعية، فاعلم أن الدليل هو: قال الله وقال الرسول.
بخلاف ما لو قالوا: إن دليل هذه المسألة دليل عقلي، فيكون هذا الدليل محله الاجتهاد وليس محله النص، وإنما هو بذل وسع المجتهد أو الفقيه في إيجاد حل لمسألة ما، وهذه العملية تسمى: الاجتهاد، وإلحاق هذا الفرع بأصله لاتحادهما في العلة يسمى: القياس، وهي: عملية عقلية يبذلها المجتهد أو الفقيه للوصول بالفرع إلى إيجاد حل مشابه أو مساوي أو مماثل لأصله في الشرع.
ثم إن كل واجب لا يؤتى به فصاحبه آثم إلا من عذر، وأقول: واجب، لا مستحب ولا مندوب ولا مباح، فهذه كلها دون الوجوب، فإذا قلت لولدك مثلًا: يا بني! اذهب إلى فلان، أو لا تذهب.
فقد جعلته في دائرة المباح، إن شاء ذهب وإن شاء لم يذهب، بخلاف ما إذا قلت له: افعل كذا وكذا، وإن لم تفعل فسأعاقبك، فهذا الأمر يفيد الوجوب.
وكذلك الانخلاع من الذنوب أمر واجب بالشرع، فقد أمرنا الله تعالى في كتابه بالتوبة، وأمرنا الرسول عليه الصلاة والسلام في سنته بالتوبة دون استثناء، بل أمرًا أكيدًا، وعزمًا شديدًا على الإقلاع عن الذنب، وهذه النواهي التي نهتنا عن الذنوب، فأفاد الأمر الوجوب، وأفاد النهي حرمة الوقوع في الذنب، فالذي يترك هذا الواجب لا بد أنه آثم، وإثمه يختلف باختلاف الذنب، فإن كان الذنب كبيرًا كان إثمه كبيرًا، وله حكمه في الشرع، وإن كان الذنب صغيرًا كان إثمه صغيرًا، فمعرفة قدر الإثم تتوقف على معرفة قدر الذنب.
كما أن التوبة واجبة على الفور، فلا يجوز تأخيرها قط، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، فإذا أذنب العبد لزمه أن يحدث له توبة، ولا يقول: سوف أتوب غدًا، أو الأسبوع الذي سوف يأتي، أو سوف أبدأ أصلي من يوم السبت، أو من أول الشهر، أو من أول السنة الجديدة، أو السنة الميلادية، أو السنة الهجرية، فما الذي يضمن لك ذلك؟! يمكن أن يأتيك الموت الآن، فلو أنك أذنبت ذنبًا فأحدثت له توبة فورية، ثم مت بعد التوبة، فهذا من حسن الخاتمة، ولو أن الله تعالى قبضك قبل التوبة من المعصية، فهذا من سوء الخاتمة.
والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، وقواعد الإسلام هي: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والتوحيد، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، وعذاب القبر، فهذه كلها تسمى مهمات الإسلام، يعني: أنها أهم شيء في الدين، فينبغي أن يفتش المرء في نفسه عن هذه المهمات، فيقول: ما موقفي من الصلاة؟ ما موقفي من الصيام؟ ما موقفي من الحج؟ ما موقفي من التوبة؟ ما موقفي من الزكاة؟ إن كثير من الناس معه المال الكثير، لكن لا يخطر على باله قط أن يخرج الزكاة، إما لكونه كان فقيرًا لم يتعود منذ صغره على إخراج الزكاة، فلما اغتنى بعد ذلك بقيت معه فكرته، وإما لعدم التفكير في إخراج الزكاة، من غير أن يقصد الامتناع.
فهذا لا بد أن يراجع نفسه، ويحسب ماله إن كان ذهبًا أو فضة، فإن بلغ النصاب، وحال عليه الحول، أو حالت عليه أحوال، فيحسب هذه الأحوال ويخرج الزكاة عنها، إلا أن تأكل الأحوال المال، فقد اجتهد أهل العلم في ذلك اجتهادات مختلفة: فمنهم من قال: يخرج عن عام واحد، وهو العام الذي هو بصدده.
ومنهم من قال: بل يخرج عن ثلاثة أو خمسة أو ما تطيب به نفسه وخاطره، أو ما يحقق له المصلحة من بقاء بعض المال وإخراج بعضه، إظهارًا للتوبة والندم، وغير ذلك من الاجتهادات، وأظن أن هذا أمر يرجع إلى علاقة كل إنسان بربه.