قال: [حدثنا هداب بن خالد الأزدي -وهداب: لقب، والاسم: هدبة، وقيل: هدبة لقب، واسمه: هداب - قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت البناني] وعلي بن زيد هو علي بن زيد جدعان وهو راوٍ ضعيف، والإمام مسلم لم يرو عنه فحسب، بل جعل ثابت البناني متابعًا له، فقال: حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت البناني.
إذًا: علي بن زيد وثابت البناني في طبقة واحدة.
ستقول: فكيف يروي مسلم عن الضعفاء؟ أقول: هو لم يعتمد على رواية الضعيف بل اعتمد على رواية الثقة وهو ثابت البناني.
هب أن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن ثابت البناني عن أنس، فهنا سيكون صحيحًا.
إذًا: زيادة علي بن زيد لا تؤثر؛ فاعتبر أن عليًا ليس في السند.
[عن أنس بن مالك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش) ] .
أي: أن المشركين استفردوا بالنبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن معه في ناحيته إلا سبعة من الأنصار، واثنان من المهاجرين.
قال: [ (فلما رهقوه) ] أي: غشوه.
وقيل: كلمة رهقوه لا تقال إلا في الشر؛ لأن كلمة أدركوه تقال في الخير والشر، تقول: أدركت فلانًا لأقتله، كما تقول: أدركت فلانًا لأكرمه.
لكن قولك: (رهقت فلانًا) .
أي: أرهقته وأدركته لأوجعه ضربًا.
فقال: (فلما رهقوه) أي: تمكنوا منه وكادوا يقتلونه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: [ (من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟) ] .
ولذلك بادر واحد من الأنصار السبعة رضي الله عنهم إلى الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الثمن هو الجنة فنعم الثمن هو، ولو كان ذلك في مقابل النفس والمال.
قال: [ (فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل -أي: حتى قتله المشركون- ثم رهقوه ثانية فقال: من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة) ] وهذه منقبة عظيمة جدًا للأنصار، فالنبي عليه الصلاة والسلام تمنى لو أنه كان أنصاريًا، والمعلوم أن المهاجرين أفضل من الأنصار بنص القرآن الكريم، وأن القرآن أثنى على المهاجرين أولًا ثم ثنى بالثناء على الأنصار، وهذا لا ينفي أن الأنصار لهم المنزلة السامية والمكانة الرفيعة المرموقة في الإسلام وعند الله عز وجل؛ ولذلك جعل النبي عليه الصلاة والسلام حب الأنصار دليلًا وعلامة وآية وأمارة على الإيمان.
قال: (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق) .
ولما وزع النبي صلى الله عليه وسلم غنائم بعض الغزوات على المهاجرين تارة وعلى المشركين الذين أسلموا تارة وغير ذلك، ولم يعط الأنصار شيئًا، تكلم الأنصار فيما بينهم: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم أعطى قومه ولم يعطنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يطيب خاطر الأنصار ويبين مكانتهم في الإسلام: (يا معشر الأنصار! ألستم قلتم كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالدينار والدرهم وترجعون أنتم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟) .
قال أنس [: (فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه -أي: للقرشيين-: ما أَنصَفْنا أصحابَنا) ] أي: أنه حيث دفعناهم واحدًا تلو الآخر حتى قتلوا جميعًا، وكان ينبغي أن يدخل المهاجرون بين الأنصار؛ فقال: (ما أنصفنا أصحابنا) حيث اندفعوا جميعًا.
أي: كان ينبغي أن تدفعوا بأنفسكم في القتال والدفاع، ولا تنتظروا حتى يقتل آخر أنصاري.
وفي رواية: قال: (ما أنصفنا أصحابنا) أي: أصحابنا الذين تخلوا عنا، لا يقصد الأنصار، وإنما يقصد من فر وترك النبي صلى الله عليه وسلم.