فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته بالدعاء يدعو على هؤلاء، وكان إذا دعا كرر دعاءه ثلاثًا إلحاحًا بالطلب، وكان يقول: (اللهم عليك بقريش) أي: أهلكهم كما أهلكت الذين من قبلهم، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك.
وهذا يدل دلالة قوية على أنهم كانوا يعتقدون أنه نبي، وأنه مُجاب الدعوة، وإلا لكان ازدادت سخريتهم وازداد ضحكهم، والنبي صلى الله عليه وسلم مجاب الدعوة، فذهب عنهم من فرط روعهم وشدة خوفهم من قبول دعوته، ثم قال: (اللهم عليك بـ أبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة -والصواب كما قلنا: ابن عتبة - وعقبة بن أبي معيط) .
فقال: (فوالذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب قليب بدر) .
في هذا القول بيان لإحدى معجزاته عليه الصلاة والسلام، أي أنه دعا على هؤلاء بالاسم، ولكنهم ماتوا في العام الثاني من الهجرة، وكان الدعاء بمكة شيئًا من الاغترار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلزم من قبول دعوته أن تجاب على التو والفور، بل ربما يدعو في أول نبوته وتكون الإجابة في آخر نبوته.
وكثير من الإخوة يقولون: نحن دعونا للمجاهدين كثيرًا ولكننا لا نجد أثرًا، وندعو في كل وقت، ومللنا أن يقول لنا الدعاة: إن واجبكم الدعاء.
يستهينون بهذا، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (دعاء المسلم بين ثلاث: فإما أن يجاب -أي: يجاب لك فورًا- وإما أن يُدفع عنك من البلاء مثله، وإما أن يُدخّر لك يوم القيامة) فما يدريك أنه لم يُقبل دعاؤك؟ فهو قُبل ولكنه قُبل في أحد هذه الثلاث، ولا يلزم أن ترى أثر الدعوة فورًا، بل ربما يكون الله تعالى قد قدّر لك بلاء، وقدّر لك الدعاء، فكان سببًا في رفع البلاء وأنت لا تدري! وربما يكون الله تعالى قدّر لك حادثًا خارج هذا المسجد وأنت قادم إليه، وبحسن دعائك وشدة حرارته وإلحاحك على الله رفع عنك هذا الحادث وأنت لا تدري، أو يدّخر لك ذلك إلى يوم القيامة فيجازيك ويكافئك به؛ ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من يقول: لقد دعوت فلم يستجب لي حتى يدع الدعاء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يستجاب لأحدكم مالم يعجل الإجابة فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي، فيدع الدعاء) هذا بلا شك مخالف لأحكام وآداب الدعاء.
فالنبي عليه الصلاة والسلام مُجاب الدعوة وهذه إحدى معجزاته عليه الصلاة والسلام.
قال: (وإنما وضعوا في القليب تحقيرًا لهم؛ ولئلا يتأذى الناس برائحتهم، وليس هو دفنًا) .
فالحربي إذا قُتل لا يُدفن؛ لأن الدفن من أعظم مظاهر التكريم، فالكافر الحربي لا يُكرَّم، وإنما يلقى على المزابل كما تلقى الجيف والأنتان، لا يكفّن ولا يُدفن ولا يُحترم لا حيًا ولا ميتًا، ولكنه يُدفن في حالة واحدة إذا كان يمكن أن يتأذى به الأحياء، يُدفن ليس لذاته وإنما لغيره، وليس هذا من باب الإكرام له، بل من باب الإكرام للأحياء.
قال الشافعية: (بل يُترك في الصحراء -أي: الحربي الميت- إلا أن يتأذى به الأحياء.
قال القاضي عياض: اعترض بعضهم على هذا الحديث في قوله: (رأيتهم صرعى ببدر) .
ومعلوم أن أهل السير قالوا: إن عمارة بن الوليد وهو أحد السبعة كان عند النجاشي).
وهو السابع الذي نسيه الراوي، فأنتم تعلمون قصة عمارة بن الوليد حينما ذهب مع عمرو بن العاص إلى النجاشي ليؤلّبا النجاشي على من هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، وكان رجلًا جميلًا ذا وجاهة، فلما خدع عمرو بن العاص خدعه عمرو بن العاص عند النجاشي.