فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 877

وكأنّ (أبا عمر) أخذ هذا الموضع من الخليل، فقال في همزة نحو رأس وبأس إذا خفّفت في موضع الردف جاز أن تكون ردفا. فيجوز عنده اجتماع راس وباس مع ناس. وأجاز أيضا أن يراعى ما فيها من نيّة الهمزة، فيجيز اجتماع راس مع فلس، وكأن أبا عمر إن كان أخذ هنا الموضع أعذر فيه من الخليل في مسئلته تلك. وذلك أن أبا عمر لم يقض بجواز كون ألف راس ردفا وغير ردف في قصيدة واحدة وإنما أجاز ذلك في قصيدتين، إحداهما قوافيها نحو حلس وضرس، والأخرى قوافيها نحو ناس وقرطاس وقرناس. والخليل جمع في لفظة واحدة أمرين متدافعين. وذلك أن صحّة الواو الثانية في ووى مناف لهمزة الأولى

منهما. وليس له عندى إلا احتجاجه بقولهم: مررت بزيد ونحوه، وبقولهم: لا أبا لك. وقد ذكرنا ذلك في باب التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين.

ولندع هذا إلى أن نقول: لو وجد في الكلام تركيب (ووى) فبنيت منه فعلا لصرت إلى ووى. فإن بدأت بالتغيير من الأوّل وجب أن تبدل الواو التى هى فاء همزة، فتصير حينئذ إلى أوى، ثم تبدل الواو العين ياء لوقوع اللام بعدها ياء، فتقول: أىّ.

فإن قلت: أتعيد الفاء واوا لزوال الواو من بعدها (فتقول: وىّ، أو تقرّها على قلبها السابق إليها فتقول: أىّ؟) فالقول عندى إقرار الهمزة بحالها، وأن تقول:

أىّ وذلك أنا رأيناهم إذا قلبوا العين وهى حرف علة همزة أجروا تلك الهمزة مجرى الأصلية. ولذلك قال في تحقير قائم: قويئم، فأقرّ الهمزة وإن زالت ألف فاعل عنها. فإذا فعل هذا في العين كانت الفاء أجدر به لأنها أقوى من العين.

فإن قلت: فقد قدّمت في إوزّة أنها لمّا صارت في التقدير إلى إيززة، ثم أدرت إليها حركة الزاى بعدها فتحركت بها، أعدتها إلى الواو فصارت إوزّة، فهلا أيضا أعدت همزة أىّ إلى الواو لزوال العلة التى كانت قلبتها همزة، أعنى واو أوى، قيل: انقلاب حرف العلة همزة فاء أو عينا ليس كانقلاب الياء واوا ولا الواو ياء، بل هو أقوى من انقلابهما إليهما ألا ترى إلى قولهم: ميزان، ثم لما زالت الكسرة عادت الواو في موازين ومويزين. وكذلك عين ريح قلبت للكسرة ياء، (ثم لما) زالت الكسرة عادت واوا، فقيل: أرواح، ورويحة. وكذلك قولهم: موسر وموقن، لما زالت الضمة عادت الياء فقالوا: مياسر، ومياقن. فقد ترى أن انقلاب حرف اللين إلى مثله لا يستقرّ ولا يستعصم لأنه بعد القلب وقبله كأنه صاحبه، والهمزة حرف صحيح، وبعيد المخرج، فإذا قلب حرف اللين إليه أبعده عن جنسه، واجتذبه إلى حيزّه، فصار لذلك من واد آخر وقبيل غير القبيل الأوّل.

فلذلك أقرّ على ما صار إليه، وتمكنت قدمه فيما حمل عليه. فلهذا وجب عندنا أن يقال فيه: أىّ.

(وأما إن) أخذت العمل من آخر المثال فإنك تقدّره على ما مضى: ووى، ثم تبدل العين للام، فيصير: وىّ، فتقيم حينئذ عليه ولا تبغى بدلا به لأنك لم

تضطرّ إلى تركه لغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت