هذا غور من اللغة بطين، يحتاج مجتابه إلى فقاهة في النفس، ونصاعة من الفكر، ومساءلة خاصّيّة، ليست بمبتذلة ولا ذات هجنة.
ألقيت يوما على بعض من كان يعتادنى، فقلت: من أين تجمع بين قوله:
لدن بهمزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب [1]
وبين قولنا: اختصم زيد وعمرو؟ فأجبل [2] ورجع مستفهما. فقلت: اجتماعهما من حيث وضع كل واحد منهما في غير الموضع الذى بدئ له. وذلك أن الطريق خاصّ وضع موضع العامّ. (وذلك) أن وضع هذا أن يقال: كما عسل أمامه الثعلب، وذلك الأمام قد كان يصلح لأشياء من الأماكن كثيرة: من طريق وعسف وغيرهما. فوضع الطريق وهو بعض ما كان يصلح للأمام أن يقع عليه موضع الإمام. فنظير هذا أنّ واو العطف وضعها لغير الترتيب، وأن تصلح للأوقات الثلاثة نحو جاء زيد وبكر. فيصلح أن يكونا جاءا معا، وأن يكون زيد قبل بكر، وأن يكون بكر قبل زيد. ثم إنك قد تنقلها من هذا العموم إلى الخصوص. وذلك قولهم: اختصم زيد وعمرو. فهذا لا يجوز أن يكون الواو فيه إلا لوقوع الأمرين في وقت واحد. ففى هذا أيضا إخراج الواو عن أوّل ما وضعت له في الأصل:
من صلاحها للأزمنة الثلاثة، والاقتصار بها على بعضها كما اقتصر على الطريق
(1) البيت من الكامل، وهو لساعدة بن جؤية الهذلى في تخليص الشواهد ص 503، وخزانة الأدب 3/ 83، 86، والدرر 3/ 86، وشرح أشعار الهذليين ص 1120، وشرح التصريح 1/ 312، وشرح شواهد الإيضاح ص 155، وشرح شواهد المغنى ص 885، والكتاب 1/ 36، 214، ولسان العرب (وسط) ، (عسل) ، والمقاصد النحوية 2/ 544، ونوادر أبى زيد ص 15، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 180، وأوضح المسالك 2/ 179، وجمهرة اللغة ص 842، وشرح الأشمونى 1/ 197، ومغنى اللبيب ص 11، وهمع الهوامع 1/ 200.
(2) وفى حديث عكرمة: ما لك أجبلت، أى انقطعت، من قولهم أجبل الحافر إذا أفضى إلى الجبل أو الصخر الذى لا يحيك فيه المعول. وسألته فأجبل، أى وجدته جبلا. اللسان (جبل) .