فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 877

اعلم أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب، وأن الانتفاع به ليس إلى غاية، ولا وراءه من نهاية. وذلك أن أكثر من ضلّ من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنما استهواه (واستخفّ حلمه) ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة، التى خوطب الكافّة بها، وعرضت عليها الجنة والنار من حواشيها وأحنائها، وأصل اعتقاد التشبيه لله تعالى بخلقه منها، وجاز عليهم بها وعنها. وذلك أنهم لمّا سمعوا قول الله سبحانه، وعلا عما يقول الجاهلون علوّا كبيرا {يََا حَسْرَتى ََ عَلى ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللََّهِ} [الزمر: 39] وقوله تعالى {فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللََّهِ} [البقرة: 115] وقوله: {لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقوله تعالى: {مِمََّا عَمِلَتْ أَيْدِينََا} [يس: 71] وقوله: {وَيَبْقى ََ وَجْهُ رَبِّكَ}

[الرحمن: 27] وقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلى ََ عَيْنِي} [طه: 39] وقوله: {وَالسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] ونحو ذلك من الآيات الجارية هذا المجرى، وقوله في الحديث:

«خلق الله آدم على صورته» [1] ، حتى ذهب بعض هؤلاء الجهّال في قوله تعالى:

{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ} [القلم: 42] أنها ساق ربهم ونعوذ بالله من ضعفة النظر، وفساد المعتبر ولم يشكّوا أن هذه أعضاء له، وإذا كانت أعضاء كان هو لا محالة جسما معضّى [2] على ما يشاهدون من خلقه، عزّ وجهه، وعلا قدره، وانحطّت سوامى (الأقدار و) الأفكار دونه. ولو كان لهم أنس بهذه اللغة الشريفة أو تصرّف فيها، أو مزاولة لها، لحمتهم السعادة بها، ما أصارتهم الشقوة إليه، بالبعد عنها.

وسنقول في هذا ونحوه ما يجب في مثله. ولذلك ما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لرجل لحن: «أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ» ، فسمّى اللحن ضلالا وقال عليه السلام:

«رحم الله امرأ أصلح من لسانه» [3] ، وذلك لما (علمه صلّى الله عليه وسلم مما يعقب) الجهل لذلك

(1) أخرجه البخارى في «أحاديث الأنبياء» (ح 3326) ، ومسلم في «الاستئذان» (ح 2841) .

(2) يقال: عضّيت الشاة والجزور تعضية إذا جعلتها أعضاء وقسمتها.

(3) ذكره العجلونى في «كشف الخفاء» (1368) ، وقال: «رواه ابن عدى والخطيب عن عمر، وابن عساكر عن أنس، وقال ابن الغرس: قال شيخنا: حديث ضعيف» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت