وقد عبّر سبحانه عنه بالقرآن لأن الصلاة بها جهرية وبما أنها في وقت مبكر يتكاسل عنها الإنسان عادة، أكد سبحانه وتعالى على أن هذه القراءة للصلاة مشهودة عند الله بينما الصلوات الأخرى تكون مشهودة أيضا عند الله وعند الناس. وروي عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله: «يشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار» [الميزان: 13، 175] .
لقد تكررت مادة القرآن في القرآن الكريم 58مرة [المعجم المفهرس، ص 539] وطبيعي أن القرآن الكريم لم يكمل نزوله حين نزول تلك الآيات لأن المفروض أنها نزلت قبل أن يتم القرآن نزولا وكتابة. فكلمة القرآن في القرآن لا بد وأن تكون اسم جنس جمعي تشتمل على القليل والكثير كالماء، فكل ما نزل على قلب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالوحي والإعلان يعتبر قرآنا سواء كان قليلا أم كثيرا ولو كان قبل اكماله بين الدفتين. وليس التعبير السائد بالقرآن عما بين الدفتين إلا تطبيقا للمفهوم من المادة على الفرد الأكمل سواء قلنا بنزوله من اللوح المحفوظ أو بنزوله مباشرة.
والتأمل في الآيات ال 58تفيد أن القرآن متقوم بأمرين:
الأول: الوحي، وبذلك ينفرد القرآن عن الحديث النبوي الشريف.
الثاني: أن الوحي يجب أن يقرأ ويعلن على المجتمع، وبه يخرج الحديث القدسي ويفترق عن القرآن وإن كان وحيا. ونكتفي من الآيات بما يلي:
قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضََانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنََّاسِ} [البقرة: 185] .
{وَأُوحِيَ إِلَيَّ هََذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} [الأنعام: 19] .
{قََالَ الَّذِينَ لََا يَرْجُونَ لِقََاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هََذََا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] .
وقد أصبحت كلمة القرآن اسما علما للوحي المنزل للتبليغ على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وعدّ الأعلام أسماء الوحي هذا إلى نيف وتسعين [راجع الاتقان: 511، والبرهان: 1، 272 278] ولكن نظرة فاحصة إليها تبين أن هذه الأسماء ليست سوى أوصاف وصف الله سبحانه وتعالى الكتاب العزيز بها وليس شيء منها اسم علم سوى كلمة «القرآن» .
وتؤكد الآيات أيضا على أن الهدف من القرآن ليس الوحي المجرد عن العمل، بل لا بد وأن يكون السلوك الفردي والاجتماعي متبنيا مبادئ الوحي القرآني، ونكتفي منها بهذه الآيات، قال تعالى:
{أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] .
{وَأُوحِيَ إِلَيَّ هََذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} [الأنعام: 19] .